هل الحُكمُ لله، أم للناس؟

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

م. غيث هاني القضاة

يبدو أن أول من قال بفكرة "الحاكمية لله" في نظام الحكم والسياسة، هم "الخوارج" عندما اعترضوا على التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهم في "معركة صفين"، فقد كانوا يرون أن معاوية وأصحابه هم الفئة الباغية التي نصّ القرآن على قتالها حتى تعود الى أمر الله، ورفضوا التحكيم البشري الذي حصل، وقاوموه بالقوة حينها، حيث كانوا يعتقدون بوجود نص قرآني لا مجال فيه للشك والذي لا بد من اتباعه في تلك الحالة "إن الحُكم الا لله"، وكان تعليق الامام علي، على قولهم هذا "إنها كلمة حق أُريد بها باطل"، لانهم قد أرادوا فرض حاكمية الله  كما فهموها في شأن سياسي يمارسه البشر واجتهاد بشري يحتمل الخطأ والصواب.
فكرة ونظرية "الحاكمية" تدور حول أن السلطان السياسي في المجتمع ليس حقا من حقوق الناس، فالحاكم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، بما يعني أن الامة ليست مصدرا للسلطات كما نقول في دساتيرنا المختلفة! ويبدو ذلك للوهلة الأولى مُقنعا، فمن يستطيع مناقشة ذلك ومنازعة حق الله! ويؤكد أصحاب تلك النظرية بأن الديمقراطية تختلف جوهريا مع الإسلام، لأن الديمقراطية هي حكم الشعب للشعب، على حين أن السلطة في الإسلام كما يقولون هي لله! ويفتعلون تناقضا بين أن تكون السلطة للامة وبين أن تكون السلطة لله، بل يُكفر بعضهم كل من يجعل مصدر السلطة السياسية لغير الله.
اشتقّ هؤلاء حاكمية الله من مصطلح "الحُكم" الذي ورد في القرآن الكريم، ظانين أن استخدامه كان للدلالة على السلطة السياسية العليا في المجتمع، علما بأن أغلب الاستخدامات القرآنية لهذا المصطلح كانت بمعنى "القضاء" والفصل في المنازعات أو العلم والفقه، ولا علاقة له إطلاقا بنظام الحكم في أدبياتنا المعاصرة، فنبي الله عيسى عليه السلام آتاه الله "الحُكم" ولم يكن له دولة، ونبي الله يحيى آتاه الله “الحُكم" صبيا، وعندما خاطب الله محمدا عليه السلام  بقوله "لتحكم بين الناس بما أراك الله" فكان المُراد هو القضاء وليس النظام السياسي أيضا، وقد نزلت هذه الاية تحديدا في أحد الصحابة الذي سرق درعا من جار له في قصة طويلة لا مجال لذكرهاهنا، حيث طلب الله من نبيه أن يحكم "يقضي" بما أراه وأن لا يكون للخائنين خصيما،  والله سبحانه وتعالى يصفُ نفسه بأنه "الحاكم" الذي يحكم بين الناس ويقضي بينهم يوم القيامة، ولا علاقة لذلك بالنظام السياسي في الدولة من حيثُ جعل صاحب السلطة السياسية وكيلا عن الله في الحكم يستمد قداسة فعله السياسي من قداسة النص حينها سواء صرّح أصحاب هذه النظرية بتلك النتيجة  أم لم يُصرحوا.
غير أن أكثر الايات التي يتم الاستشهاد بها لتأكيد صحة مقولتهم هي تلك الواردة في سورة المائدة والتي تعني "ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون، الظالمون، الفاسقون" مُتناسين أسباب نزول هذه الايات، والتي أجمع علماء الإسلام أنها نزلت في قوم من اليهود الذين ذهبوا يحتكمون الى محمد عليه السلام في خلاف كان بينهم في جريمة قتل أو زنا، وقال معظم الائمة والمفسرين انها آيات خاصة بأهل الكتاب لخصوص أسباب النزول وللسياق العام للآيات والقرائن وغيرها، فالطبري والزمخشري والقرطبي قالوا وأكدوا على ذلك، ثم إن "الكتاب" الذي تتحدث عنه الايات  للتمسك به كشرط لعدم الكفر والفسق والظلم، ليس هو القرآن إنما هو التوراة أو الانجيل، فكان الخطاب الإلهي موجها لهم، وهو ليس للمسلمين حينها، والقضية المهمة والملفتة للنظر أيضا أن "الحُكم "في الآيات كان معناه القضاء أيضا.
ومن المهم التوضيح بأن المصطلح الذي كان مستخدما في القرآن والسُنة النبوية للدلالة على السياسة والذي استخدمه الصحابة  وغيرهم أيضا في صدر الإسلام هو مصطلح "الامر" وليس "الحُكم"، ومنها جاءت ألفاظ الأمير وأولي الامر، ومن ثم فان بناء واشتقاق مصطلح "الحاكمية" على أساس اللفظ الوارد في القرآن هو تأسيس على غير أساس صحيح  وغير دقيق، وهو افتعال لتناقض غير موجود بين أن تكون السلطة لله أم للناس! لكن الحقيقة أن "حق الله" هو  نفسه حق الناس وحق المجتمع، فلا تناقض بين أن تكون المرجعية لله وأن تكون السلطة السياسية في المجتمع للناس، ولا يمكن نزع جميع سلطات الامر والتشريع من يدي البشر بحجة أن ذلك الامر قد اختص به الله وحده!
لكنّ هنالك سؤالا مشروعا، هل يعني ذلك القول بأن إرادة الانسان هي الحاكمة فقط، دون وجود مرجعية إسلامية للدولة التي أغلب ُسكانها من المسلمين؟ والجواب على ذلك أن الإسلام كدين لم يُحدد نظاما محددا للحكم سواء كان خلافة أو إمارة أو رئاسة أو غيرها، او تفاصيل العمل السياسي والاقتصادي،  لكنه دعا الى تحقيق قيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص ومبدأ الشورى، وكذلك بناء دولة "مدنية" أساسها المواطنة دون تمييز فيها بين أي جهة لحساب أخرى لأي سبب كان، وتبقى مرجعية الدولة المتفق عليها "الإسلامية" والتي يُرجع اليها في حال أردنا أن نعرف رأي الإسلام  في أي قضية إشكالية قد تطرأ، وسنلاحظ هنا أن مساحة الاختلاف مساحة ضيقة جدا وفي حدود بسيطة، لانه كما يقول ابن القيم رحمه الله "أينما يكون العدل فثمّ شرع ُ الله" فلن يختلف الناس على قيم العدل والمساواة ودولة المواطنة وتكافؤ الفرص.
الأمة مصدر السلطات، هو أصل من أصول السياسة في الإسلام، فالقواعد التي وضعها الإسلام لاختيار الحاكم بالشورى والبيعة والضوابط التي تجعل حقا واضحاً للامة في محاسبة الحاكم ومراقبته وحتى خلعه، تعني تماما أن الامة مصدر السلطات، فلا انتفاء بين تراث الإسلام السياسي وبين المبدأ الدستوري الحديث الذي تؤمن به جماهير الناس في العالم بان الشعب  مصدر السلطات، ولا صحة لنظرية الحاكمية باعتقادي حسب المفهوم الذي تم التنظير له في جعل سلطة جماهير الامة نقيضا لسلطة الله!

التعليق