الاعتراف مدخل للتسامح

تم نشره في الجمعة 26 كانون الثاني / يناير 2018. 01:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

الاعتراف هو الإقرار بحق الآخر في وجوده المادي والمعنوي، والإقرار بحقه في الاختلاف والتميز، وهو ينبثق من قاعدة أساسية في الحياة هي أن الناس متساوون في حقهم في الوجود مادياً ومعنويا، فوجود بعضهم ليس بأولى من وجود الآخر؛ وليس بعضهم بأفضل من البعض الآخر؛ لذلك كان الاعتراف بوجود الآخر هو اعتراف بالذات، وإنكار الآخر هو إنكار للذات؛ لسبب بسيط هو أننا بعدم اعترافنا بالآخرين نفتح لهم الباب على مصراعيه لعدم الاعتراف بنا، كما نعطيهم الحق والمبرر لإنكار حقنا في الوجود والاختلاف معهم، فالاعتراف يقتضي ويستلزم الاقرار المتبادل من الطرفين بوجود الاختلاف والتمايز.
إن الاعتراف إنما يكون لاحقاً لوجود الآخر، أي أنه كاشف له وليس منشئاً له، فليس الاعتراف هو مَن يوجد الآخر حتى نتحاشاه، فالآخر موجود بمقتضى طبيعة الحياة وسننها سواء اعترفنا به أم لم نعترف، فعدم الاعتراف به وإنكاره لا يلغى وجوده، ولكنه يخلق المشكلات ويشعل الحروب.
إن في الاعتراف منفعة متبادلة للطرفين؛ لأن الآخر بلا شك يحمل نفسية وعقلية وخبرة متميزة عن الذات، وإلا لما كان الآخر، فبالاعتراف يمكن الاستفادة من طاقات المختلفين ومواهبهم، وبإنكاره نحرم الذات والآخر من ذلك كله.
إن القوي لا يخشى الاعتراف، الضعفاء هم فقط من يخافونه؛ لأنهم يعتقدون أن الاعتراف بالآخر فيه تهديد لوجودهم وخطر على كيانهم، والحقيقة أنه لا خوف من الاعتراف؛ لأنه لا يستلزم  ولا يقتضي موافقة الآخر والقبول بكل ما عنده، وإلا لما كان اختلافاً ولما احتجنا إلى الاعتراف، وإذا كان الاعتراف لا يقتضي موافقة الآخر والقبول بكل ما عنده فهو من باب أولى لا يقتضي ولا يستلزم التنازل عن المعتقدات وتعديلها أو التغيير فيها.
إن أجمل ما في الاعتراف أنه يجعل الإنسان منسجماً مع نفسه ومتوائما مع إنسانيته، والسعي للإلغاء الآخر وعدم الاعتراف به فضلاً عن كونه منافياً لطبيعة الحياة وسنن الوجود، هو مناف أيضاً للرسالة السماوية والدعوة الإسلامية، قال تعالى: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا". وقال تعالى: " لكم دينكم ولي دين".
فعدم الاعتراف هو جهل بحقائق الأمور وقلة إدراك لطبيعة الأشياء، وهو مناقض لسنة الحياة وقوانينها، قال تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين". وقال تعالى: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين". وقال تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون".
لا يمكننا فهم الإنكار وعدم الاعتراف بالآخر إلا أنه غرور بالنفس واغترار بالذات، والغرور يقتل صاحبه ويوديه للردى، وتزداد سوءة هذا السلوك مع شدة الحاجة للآخر والاعتماد عليه خاصة إذا كان الآخر متفوقاً مادياً ومعنوياً.
لا جرم في إن المصالح المترتبة على الاعتراف لا تقارن ابداً بالمفاسد الناشئة عن عدمه، وإذا كانت القاعدة الفقهية تنص على أن "درء المفاسد أولى من جلب المصالح" فهذا يعني أن الغاء الآخر وعدم الاعتراف به ممنوع ومحظور.
إن منافع الاعتراف لا يمكن حصرها وتعدادها، وهي تعود على الذات قبل أن تعود على الغير، ففيه راحة النفس وطمأنينة الروح، وبه يتحقق السلم الاجتماعي ويسود الوئام العام، وغيابه يؤدي إلى إرهاق النفس وشقاء الروح، ويورث الأحقاد ويثير الفتن ويشعل الحروب، ونحن بالاعتراف نكسب أو على الأقل لا نخسر، أما في الانكار فلا شك أن الخسارة قائمة.
آن لنا أن ندرك أن وجود الآخر هو الذي يظهر التميز ويفجر المواهب، إذ بضدها تتميز الأشياء، فالاعتراف بالآخر هو اعتراف بتميز الذات وتفردها، وقد أصاب الشاعر عندما قال:
ضدان لما استجمعا حسنا
والضد يظهر حسنه الضد
فلا بديل عن الاعتراف للوصول للعيش المشترك والتواصل الإنساني، حيث أثبتت وقائع الحياة ومجرايتها أن عدم الاعترف هو المشكلة والاعتراف هو الحل، فالاعتراف يوّلد التسامح ويسهّل التعامل، وعدمه يخلق التعصب ويقطع التواصل.
وخلاصة القول إن الانكار وعدم الاعتراف ليس اختياراً رضائياً ابتداءً، وإنما هو وليد تربية اجتماعية وتنشئة تربوية مغلقة تقوم على إقصاء الآخر والنظرة إليه نظرة دونية، تنطلق من نفسية معقدة، وتنم عن نفسية استعلائية مريضة؛ تجعل الفرد لا يقبل بالآخر حتى وإن كان ذلك يتناقض مع ما يراه في الآخر من خير وفضيلة وإنسانية، وحتى نتخلص من ذلك كله لا بد من إعادة النظر في طرق التربية ومناهج التعليم ووسائل الإعلام والاتصال، والسعي الحثيث لإشاعة ثقافة الاختلاف واحترام التعددية وقبول الآخر.

التعليق