د.باسم الطويسي

"اقتصاد الخاوات"

تم نشره في الاثنين 29 كانون الثاني / يناير 2018. 12:06 صباحاً

منذ نحو عام ونصف العام بدأت تزداد التقارير الإخبارية التي تتحدث عن أشكال جديدة قديمة من الجرائم ونقصد في هذا المجال من يطلق عليهم "فارضو الأتاوات أو الخاوات" حيث زادت فعالية الأجهزة الأمنية في إلقاء القبض على هذه الفئة من المجرمين، حيث تتحدث التقارير عن القبض على عشرات الأشخاص الذين اعتادوا على فرض الأتاوات على المواطنين وأصحاب المحال التجارية والمطاعم السياحية والملاهي وغيرها، لكن الأخطر حينما تمتد ظاهرة "الخاوات"، وتصبح أحد مصادر تهديد الاقتصاد وهروب الاستثمارات.
الحملات الأمنية التي تنفذها الأجهزة الأمنية تكشف وجها آخر للخراب سواء في عمق المجتمع الذي يولد هذه الأنماط من السلوك الجرمي القائم على الابتزاز والانتفاع باستخدام القوة بما لا يتفق إلا مع شريعة الغاب، أو حينما تكشف عن  ثقافة التستر والاستسلام التي تجعل فئات من المجتمع ترضى بهذا الهوان، وترضخ للابتزاز والتهديد وترفض الإبلاغ عن هذه الاعتداءات،  بل وتصل إلى درجة القبول بمبدأ التفاوض مع هؤلاء المجرمين ومن يشغلهم والقبول بالتوسط لديهم، الوجه الآخر الذي تكشفه هذه الحملات وهو الاخطر يبدو في كيف يفتك غياب سيادة القانون بكل شيء، وعلينا تصور حجم الرعب الذي يصاب به الكبير والصغير كلما اهتزت اليد التي تمسك بالقانون. 
وفق معلومات أمنية لوسائل الإعلام فإن العام الماضي 2017 شهد "تنفيذ 31 حملة أمنية استهدفت هذه الفئة، ألقي القبض خلالها على 222 شخصا منهم 171 شخصا مشتبها به، و51 شخصا صدر بحقهم طلبات قضائية وأمنية"، فيما يتردد الحديث أن الظاهرة تمتد لتشمل المصانع والشركات والأسواق التجارية والنوادي الليلية، بالإضافة إلى المطاعم السياحية والمحال التجارية، كما امتدت إلى المحافظات وتحديدا إربد والعقبة.
تاريخيا توجد هذه الظاهرة منذ زمن طويل، وتمتد جذورها الاجتماعية إلى العلاقات الإنتاجية الظالمة في المجتمعات والبحث عن البقاء بالاستقواء، حيث تتعدد أشكال وشروط الانتفاع باستخدام القوة وترويع الناس بها، ولفترات قريبة كانت هذه الظاهرة تظهر وتختفي في الأحياء الشعبية المزدحمة وترتبط بالسلوك الشاذ باستعراض القوة "الزعرنة" منذ التسعينيات ازداد حضور فارضي الخاوات بقوة مع ازدياد الأنشطة الاقتصادية وتنوعها، ثم أخذت تنال المطاعم السياحية وصولا إلى رجال الأعمال وتحديدا العرب.
ولنكن أكثر صراحة مع أنفسنا؛ كيف يمكن أن نجلب الاستثمارات أو نوطن الاستثمارات القائمة ونحد من هروبها إلى الخارج قبل تنظيف البلد من هذه الفئات؟ إن الأمر الأخطر يبدو في أن ظاهرة "الخاوات" لا تتمثل في تهديد عيش أصحاب البسطات في وسط البلد من قبل فئة من أصحاب الأسبقيات، بل تهدد الكثير من جهود الاستثمار التي تبني الدولة والمجتمع عليها الكثير من الآمال، إن الأمر الأخطر أن تلك الأشكال من "الخاوات" يقل الحديث عنها، ونمارس عليها التستر وتحديدا حينما نتكلم عن عالم الاعمال والاستثمارات العربية والأجنبية، وكيف تغادر البلد قبل أن تبدأ، أشكال أخرى من الابتزاز والخاوات تمارس أيضا بفعل التكنولوجيا ووسائل الاتصال وحتى من قبل وسائل الإعلام الرديئة.
لا يمكن بناء اقتصاد حقيقي وقاعدة إنتاجية بدون بيئة آمنة، ولا يمكن تصور أن تزدهر الأعمال في وقت يختطف فيه المجرمون والشواذ من الدولة حقها في احتكار القوة والتحكم بها. إن القانون أداة غير قابلة للمراوغة، نتشدد في تطبيقه مرة، ونرفع أيدينا عنه في ظرف سياسي أو اجتماعي آخر، قد تكون هناك ظروف تبرر المناورة السياسية، لكن القانون لا يحتمل ذلك أبدا. ومتى ما تم تطويع القانون واستخدامه في إدارة الصراعات والأزمات، فإننا نفرط في أساس من أسس الحكم، فالقانون أقوى من السياسة، وأهم من الرأي العام ومن الشعبية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحملة (فايز شبيكات الدعجه عميد امن عام سابق)

    الاثنين 29 كانون الثاني / يناير 2018.
    الحملات الامنية التي يتحدثون عنها هي سبب المشكلة ....الحملة اجراء خاطف مؤقت ينفذ على فترات متباعدة . ويعود الجناة لمزاولة النشاط الجرمي حال انتهاء الحملة ...القضاء على الظواهر الجريمة يتطلب ثبات عمليات الملاحقة والضبط وتواصلها
  • »عالمياً يخصص مجرمون نسبة مما يجنون للإنفاق على حاضنة لتبييض أموال وحماية من عدالة (تيسير خرما)

    الاثنين 29 كانون الثاني / يناير 2018.
    عالمياً يخصص مجرمون نسبة مما يجنون للإنفاق على حاضنة (جهوية، دينية، مذهبية، عشائرية، متنفذة) لتبييض أموال وحماية من عدالة أو رعاية أسرهم خلال اعتقالهم، فعلى وزارة عدل إنشاء وحدة متخصصة بتعاون مع مديرية أمن عام تهتم بقراءة وتحليل نفقات كل مجرم أو عصابة على حواضن وتحري شبهة تبييض أموال وحماية من عدالة أو رعاية أسر معتقلين فإن وجد يتم تحقيق مع معنيين وجمع معلومات وكشف متواطئين وصولاً لمحاسبة من ثبت عليه ذلك وإحالته للنائب العام ليحجز على أمواله وممتلكاته لتحصيل أعطال وأضرار جرائم وتوزيعها لمتضررين.