حنان كامل الشيخ

في بلادنا نساء جميلات

تم نشره في الثلاثاء 30 كانون الثاني / يناير 2018. 12:00 صباحاً

المرأة في الأردن هي التي ستدفع الفاتورة رقم واحد من التغييرات الجوهرية علي ميزانية الأسرة بدون جدال! فالتدبير المنزلي هو أحد الدروس التي تتوارثها الفتاة بالفطرة، وأقصد الفتاة من ذوات الدخول المتوسطة والمتدنية بالطبع. فالأخريات ممن لا ينظرن إلى فاتورة جهاز السحب الآلي، لا يعنيهن ما آلت إليه أسعار البندورة والدجاج والخبز والشعيرية.
ففي الكوكب الآخر الذي لا يفكر فيه كثيرون، هناك نساء جبلن على التعامل مع حجر الدار، ليصنعن منه حساء يسكت جوع أولادهن ولو افتراضيا، بدون أن تنتظر الواحدة منهن أمير المؤمنين يسمع دعاءها فوق قدر النار.
النساء اللواتي أتحدث عنهن لسن بالضرورة يرتدين ملابس مهلهلة وأحذية ممزقة، فكثيرات منهن اليوم من نجمات مواقع التواصل الاجتماعي أصبحن يعطين دروسا في تدبير بواقي صحون أمس، في اختراع وجبات ساخنة لا أسماء لها، إنما بالتأكيد تشبع من جوع.
فالأرز البائت يمكن خلطه بحساء العدس مثلا مع تقلية بصلة كبيرة، يرفع عن القلب برده وعن البطن قرقعته. وقطعة الدجاج المتبقية من وجبة أمس، تفتفت لقطع صغيرة مع حبة طماطم وقرن فلفل وتحشى داخل خبز الحمام، الذي وعدونا أنه لن يصيبه الغلاء لأنه ليس خبزا!
كثيرة هي الوصفات الغذائية ومثلها المنزلية الخاصة بالثياب والكتب والقرطاسية، يعاد تدويرها بصبر وإتقان بالغين، تقدمها الأمهات المنهكات بابتسامة رضا وسعادة لأطفالهن المشتاقين إلى التجديد.
وحدها المرأة العربية تمتلك ذكاء التدوير وإعادة الصناعة، بما تملكه من حكمة الأيام ودروس الأمهات والجدات، المعتادات على الطفر وقلة ذات اليد.
ونحن في الأردن، كنا وما نزال، نشهد تجارب أولية في التدبير والتدوير بطلاتها من النساء فقط، من اللواتي يعرفن أن الخبز اليابس يصلح أن يكون كل شيء وأي شيء، طالما على نملية المطبخ مادة سائلة.
والفقر، سيد الاختراعات بلا منازع حين يتعلق الأمر بالأبناء وطلباتهم الطبيعية. فلا عراقيل تقف بوجه الأم الأردنية والعربية عموما، بعد تجارب الحروب واللجوء والتهميش والطحن.
لا يدرك المسؤولون لدينا كم هي عظيمة تلك المرأة في بلادهم، ليس لأنها تبلع غصتها أمام عائلتها، حين تجد أن ما تبقى في جزدانها لا يكفي الأولاد بيضا وخبزا. بل لأنها وأثناء استنكارها ورفضها ومقاومتها أسباب الحرمان المفروضة عليها كافة، تكون في اليد الأخرى تطهو وترقع وتطبطب على ظهور الصغار، وتمسح عرق أبيهم بينما هي تدعو له بطول العمر والرزق من حيث لا يحتسب.
لا يعرف مسؤولونا تلك السيدات الرائعات لأنهم ببساطة، لم يصادفوهن في الحفلات الخيرية، ومسابقات الجمال والأزياء، ولا في فعاليات الوطن المشرقة بألوان السعادة والرفاهية والورد.
نساؤنا هن الورد إن لم تكونوا تعلمون يا سادة القوم وكبارهم، نساؤنا السمحات الجميلات ناعسات العيون، من سهر الليالي فوق دفاتر الأطفال يلصقن أوراقها، ومدافئ الكاز ينظفن شعلاتها، وقمصان الشباب يرتقن فتحاتها، وجباه البنات يقرأن عليها سورة الفلق.
نساؤنا ورود الوطن الجبلية، لا تنتظر ساقي البستان يرويها بماء غير صالح للشرب. يكفيها رشة من كف الرحمن لتتفتح، وتفتح لنا أبواب الحياة الكريمة.

التعليق