محمد أبو رمان

الرسالة مرفوضة

تم نشره في الخميس 1 شباط / فبراير 2018. 12:08 صباحاً

هدد مواطن مفصول من وزارة الأشغال أمس بالانتحار مع ولديه، عبر إلقاء نفسه من أعلى مبنى في عمان، نتيجة فصله من وزارة الأشغال.
اعتبر المعلّقون على وسائل التواصل الاجتماعي ما حدث بمثابة رسالة خطيرة للحكومة بتدهور الحالة النفسية للمواطنين نتيجة الظروف الاقتصادية الحالية.
صحيح أنّ المزاج العام في الشارع سلبي (من خلال مؤشرات عديدة)، لكن رسالة التهديد بالانتحار من قبل المواطن المذكور - وقبل ذلك الفيديو الذي تداوله الناس عن رجل يهدد بحرق نفسه مع أبنائه- رسالة مرفوضة من حيث المبدأ أخلاقياً وإنسانياً، قبل أن تكون سياسياً أيضاً غير مقبولة بوصفها عملية احتجاج على ظلم محتمل أو عدم القدرة على التكيف مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
لم يتضّح بعد سبب فصل العامل من وزارة الأشغال، فيما إذا كان هنالك سبب قانوني وإداري وجيه أم لا، لكن التظلّم والاحتجاج ليس بهذه الطريقة التي تعكس انحرافاً نفسياً وأخلاقياً غير مقبول، فهنالك عشرات الطرق التي يمكن التعبير من خلالها عن الظلم – إن وُجد- والاحتجاج السلمي، وليس بطريقة فيها ابتزاز عاطفي وأخلاقي للمجتمع بأسره وليس لهذا المسؤول أو ذاك.
من الضروري أن ينتبه من يطبّلون لهذه الوسائل والطرق إلى أنّ مثل هذا "الاحتفاء" مؤشر على اختلال أخلاقي وثقافي وليس تعبيراً عن سوء الأوضاع الاقتصادية أو المالية لشريحة واسعة من المواطنين. ومخطئ من يتوهم – من المعارضين- أنّها محاكاة لما قام به البوعزيزي في تونس، عندما أحرق نفسه احتجاجاً على ظلم خاص حاق به، فتلك الحادثة ارتبطت تداعياتها بلحظة تاريخية محدّدة ودقيقة وجرت مياه كثيرة بعد ذلك تحت الأقدم، ولم تعد رسائل الحرق والانتحار هي الوسيلة التي يمكن أن "توقظ الجماهير"، بمعنى: تلك اللحظة وما ارتبط بها تمّ تجاوزها، لأنّ المعادلة تغيّرت، وأصبحت الحوادث المستنسخة حالياً، ومنها المحاولات التي نراها في الأردن، غير مقبولة بأيّ معنى من المعاني، الأخلاقية والإنسانية.
إذا تجاوزنا هذه الواقعة، والحوادث الفردية الأخرى الشبيهة، فإنّ ردود فعل الحكومة على ما نقرأه في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى المزاج السلبي المتفاقم، تكشف عن حالة شلل كامل وعجز عن التواصل مع الشارع، والاكتفاء بالمراقبة والترقّب والاعتماد على قدرة الأجهزة الأمنية في "منع اشتعال الحرائق"!
إذا تجاوزنا ما نقوله دائماً عن ضرورة أن تكون القرارات المالية مرتبطة بتفاهم وطني عريض وعناوين واضحة، وحزمة سياسات تخفف من الاحتقان الاجتماعي ومن انعكاساتها على الشريحة الضعيفة من المواطنين، ومشبوكة ببرنامج إصلاحي متكامل، بما في ذلك إعادة هيكلة سوق العمل، وتحسين الخدمات والإصلاح الإداري، كي لا تكون نتائجها كارثية اجتماعياً وإنسانيا.. إذا تجاوزنا كل ذلك فإنّ الحدّ الأدنى الذي من المفترض أن تقوم به الحكومة هو ألا تترك الشارع عرضة لحالة الإحباط والشعور باليأس أو القلق، فهذا المناخ موبوء يحمل ظروفاً ضارّة بالاستثمار وبالأمن وبالحالة العامة!
ما المطلوب؟ في الحدّ الأدنى جداً أن تشتبك الحكومة في حوار جريء مع الشارع، وأن تقدّم ما لديها من أوراق وحجج وأن تفتح الباب للمعارضة والنقد، وأن تدشّن حواراً وطنياً، حتى وإن كانت هنالك انتقادات علنية وقوية ومحترفة، ففي النهاية مثل هذا الحوار يخفف حالة الاحتقان ويرشّد النقاشات الوطنية العامة، ويخلق فضاء ليسمع الجميع من بعضهم، بدلاً من الاستسلام لفكرة أنّ الحكومات من كوكب والشارع من كوكب آخر!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الرساله المرفوضه؟؟؟؟ (يوسف صافي)

    الخميس 1 شباط / فبراير 2018.
    حتى لانصل الى احكام اضطراديه د. محمد (وان كان ذلك محرّم شرعا) حيث الولوج لهذه الحاله الشاذه دال على تراكمات نفسيه وضغوطات حياتيه عجز العقل عن تحملهّا وهذا يحتاج الى دراسه من ذوي الإختصاص للوقوف على حقيقة الأسباب والمسببات التي اودت الى ذلك حيث يبقى التبرير المعلن لايعبّر عن حقيقتها ؟؟؟؟؟امّا موضوع العوده للحوار مابين المواطن والحكومه ؟؟؟ لااعتقد انّ هذا يتواءم والإسس التي يتم عليها دور الحكومات والحكومه الغير قادره على قراءة ومتابعة احتياجات الوطن والمواطن وعلى ضؤه تتخذ قرارتها فهي غير مؤهله لمواصلة المشوار (وهذا من باب تحديد المسؤليه الوظيفيه) ناهيك عن دور البرلمان كشريك في التشريع والمراقبه والمتابعه ونقل احتياجات المواطن وفق القراءة الميدانيه للقاعده الجماهيريه التي اوصلته قبّة البرلمان ؟؟؟؟؟ ولا ننسى دور الأحزاب والمؤسسات المجتمعيه والأهم دورا الإعلام المسؤول كمراءة عاكسه للحاله المجتمعيه ؟؟؟؟ وحتى لانطيل لابد من الخروج من سياسة راس روس "وكل واحد بدو على راسه ريشه " ووفير صيده للمصالح الضيقّه (المحسوبيه وعدم عدالة التوزيع) ومياهه الملوثه بالفساد والشخصنه؟؟ والعمل على مؤسسية القرار وشفافية الطرح بسلبه وإيجابه وتعظيم دور صحافة الإستقصاء والحصول على المعلومه من مصدرها (تتضح الصوره بأبعدها الثلاثيه)؟؟؟ من خلال ذلك يتم تحديد المسؤلية والمسأله والوقوف على مواقع الخلل المجتمعي من خلال تأطير مؤسساته الحزبيه وغيرها ؟؟؟ بذلك تنساب الحركة لهذا وذاك نحو الشراكة في خدمة الوطن والمواطن ومتابعة التطور ل الأفضل واللحاق في السباق الأممي من خلال رؤيه واستراتجيه مرسومه ؟؟؟ ودون ذلك سنغرق في بحر الحوار واللجان وإلإجتماعات وما الى ذلك من معيقات وهدر للوقت والمحصلّه اشبه "بمن أحرم للحج والناس راجعه"؟؟؟
  • »عندما لا تطاق الحياة ! (بسمة الهندي)

    الخميس 1 شباط / فبراير 2018.
    متفقة معك أستاذ محمد، وأضيف؛ محاولة الانتحار أو التهديد بها هي سلوك منحرف deviant behavior وهي بالتأكيد أمر سيء، ولكن السلوك المنحرف لا ينفي بأن الشخص قد يكون ضحية.
    هناك شعور عام بأن هناك تكاثر للسلوكيات المنحرفة في المجتمع (بما في ذلك تعاطي المخدرات والجريمة والفساد والانتحار والتنمر) وأن أحد أسباب ذلك هي سياسات السلطة التنفيذية خصوصا السياسات الاقتصادية، وأن كثير ممن يمارسون سلوك منحرف هم ضحايا السياسات الرسمية.
    أما بما يتعلق بالحوار بين السلطة التنفيذية والشارع؛ يجب أن يكون هناك حوار حتى ولم يكن هناك مشاكل كبرى واحباط عام، فغياب آليات الحوار يعني حوكمة غير رشيدة. أظن أن التواصل التي تريده السلطة التنفيذية مع الشارع هو من النوع الذي يعتمد على "تجميل" و "تبرير" السياسات العبثية؛ يعني شغل علاقات عامة على طريقة "الاعلانات التجارية".