علاء الدين أبو زينة

التظاهر بعدم وجود الأشياء..!

تم نشره في الخميس 1 شباط / فبراير 2018. 01:06 صباحاً

الكثير من المنظومات المتحكمة بالأدوات تختار ما تلخصه قصة النعامة التي تخبئ رأسها في الرمل، وتعتقد بأنها في منجاة من الخطر. ويتعلق السلوك الذي أعنيه هنا بالتكتم على مختلف أنواع المعلومات، أو محاولة اعتراض وصولها إلى الجمهور، أو حتى إسكات صوت الجمهور وتجاهله. ومن الطبيعي أن يكون القطاع المتأثر مباشرة بهذا النهج هو الإعلام، الذي يشترك اسمه في الجذر مع "العِلم" و"المعلومة".
من طبيعة عمل الإعلام أنه يتلقى مختلف أنواع المعلومات، ويطَّلع على مشهد واسع نسبياً. لكن هناك فجوة تُفرض أحياناً بين المُدخلات والمُخرجات، حيثُ يُفرج الإعلام عن جزء من مدخلاته ويضع جزءا آخر منها في الأدراج. وكلما امتلأت أدراج الإعلام أكثر، تدهورت العلاقة وبعدت المسافة بينه وبين مستهلكه ومموله الرئيسي، المواطن. ففي النهاية، سيرغب القارئ شراء سلعة ترضي حاجته إلى المعرفة وتحترم عقله، ولن يثق بمصدر يزوده ببضاعة مستهلكة ومراوِغة.
بهذه الطريقة تساهم الحكومات في مفاقمة أزمة الصحافة الرصينة التي تعاني أصلاً من تبعات العصر الرقمي. لكنها تلحق الضرر في الطريق بالوسيط الرئيسي والضروري الذي يصل من خلاله صوتها الخاص إلى الناس أيضاً. ولن يعوِّض شيء عن منافذ إعلامية محترمة ومقروءة، يجد الناس فيها رواية موثوقة لما تريد أن تقوله لهم الحكومات. ومهما كانت التطورات التي يجري الحديث عنها في آليات الإعلام ووسائله، فإنه لا يمكن تصور دولة بلا صحافة محترفة تخدم التواصل بين مكوناتها.
التواصل الصحيح يعني نقل الصوت في الاتجاهين، بمعنى توفير منصة تستطيع استمزاج الرأي العام والتعبير عنه أيضاً، حتى يجد الناس منطقاً في التعامل مع الصحافة، باعتبار أنها لا تتجاهل صوتهم وتصطف في منطقة منفصلة عنهم. وقد يتحدث أحد عن "صحافة المواطن" عبر منصات التواصل الاجتماعي. لكن هذه التجربة تواجه مشكلة في منطقتين على الأقل. أولاً، لا يمكن التمييز هناك بين الخبر الصادق والمزيف، ولا ضبط الأصوات سيئة النية. وثانياً، تتعرض الأصوات للكتم حتى هناك، حيث تُفرض القيود باطراد على مشاركات الأفراد تحت مختلف الذرائع، من الإضرار بالأمن الوطني، إلى تعكير العلاقات مع دول أخرى، إلى الافتراء والتشهير والتحريض. وبهذا، تضيع أصوات المستخدمين المخلصين في الزحام وقد يصبحون ضحايا.
المفروض أن يزود الإعلام المحترف و"الاجتماعي" معاً صانعي القرار بالتغذية الراجعة التي ينبغي أن تكون ضرورية لقياس رد الفعل الشعبي. وإذا كان واجب المسؤولين في أي وطن هو جعل الاستجابات الشعبية إيجابية، فإن إغلاق العين والأذن عنها يكون أشبه بالسير في صحراء بلا بوصلة، وحيث الناس في واد وصانع القرار في وادٍ آخر تماماً.
عمل الإعلام الوطني الحقيقي هو الرقابة والتنوير، بالمعنى الثقافي للتنوير وبمعنى إضاءة الطريق حتى لا يسير الناس في الظلام. وينعى المشتغلون بالإعلام في العالم تقلص قدرة المؤسسات الإعلامية على إجراء التحقيقات الاستقصائية بسبب الأزمات المالية وتداعياتها. فإذا كانت الصحافة لا تمتلك قدرة، ومساحة، لكشف الفساد ومواطن الخلل، ولا تعمل كوسيلة ربط واتصال في اتجاهين، فإنها ستعمل ضد نفسها بالتعريف، وضد الحقيقة والمعرفة.
إذا لم يُسمح للإعلام بتغطية الاحتجاجات، مثلاً، فإن ذلك لا يعني أن الاحتجاجات غير موجودة. وإذا أُجبر على استثناء النقد، فذلك لا يعني أن كل الموجود هو الرضى. وما سيحدث ببساطة، هو ما لخصه تقرير عن حال الصحافة في المغرب الشقيق، أعده جاكي سبينر ونشرت "الغد" ترجمته. وكانت خلاصته أن التضييق على الصحافة هناك بأي ذرائع، أفضى إلى تشديد الرقابة الذاتية لدى العاملين فيها. وأدى ذلك إلى ما يجب أن يؤدي إليه: تآكل ثقة الناس بالإعلام، والبحث عن الأخبار والحقيقة في أماكن أخرى –الإعلام الاجتماعي.
ولا يقتصر الأمر على الاستكشافات الاستقصائية، وإنما يضطر الإعلام إلى انتقائية غير موضوعية في نشر المعلومة التثقيفية أيضاً. وهناك مئات المعلومات التي يتجنب الإعلانيون عرضها، وكأن عدم تعريف الناس بها يعني أنها غير موجودة ولا تؤثر على حياتهم اليومية. وعلى سبيل المثال، يصعب نشر شيء عن الوهابية، أو العلاقة الحقيقية بين فرعي الإسلام، السني والشيعي، وبطبيعة الحال، كل ما يقوله الآخرون عنا وما يفكرون به لنا. وهذا لن يساعد بأكثر من إحساس زائف بالأمان!

التعليق