الإبداع ليس بدعة

تم نشره في الجمعة 2 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

عرف الشاطبي البدعة بقوله هي طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.
وهو تعريف جيد حيث بيّن حقيقة البدعة وماهيتها، فهي أمر مخترع ومستحدث لم يكن موجوداً من قبل، ولا يكون المخترع بدعةً إلا إذا كان متعلقاً بالعبادة؛ لأن الخضوع والاستسلام من المخلوق للخالق هو جوهر العبادة ومقصدها، فليس للعبد أن يُشرَع عبادةً بنفسه لنفسه، أو أن يبتكر بنفسه لنفسه طريقة يتقرب بها الله تعالى، فالله لا يعبد إلا بما شرع وكيفما شرع، قال تعالى:" أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ" 
 وللاختراع في العبادة والابتداع فيها صور كثيرة ومظاهر متعددة، فقد يكون باستحداث عبادة لم تكن موجودة أصلاً، أو بالتعديل في عبادة قائمة وموجودة إما بزيادة فيها أو نقص منها، كما  قد تكون بتغيير صفة من صفاتها أو هيئة من هيئاتها.
وتظهر خطورة الابتداع في العبادة أنها قد تؤدي إلى تغيير في أصل الدين وتبديل في جوهره، فلا يعود الناس مع تقادم الزمان وتطاول العهود يميزون بين ما هو عبادة مشروعة من الله تعالى ومأذون بها، وبين الابتداع والاختراع الذي أحدثه الخلق، فيؤول الأمر إلى تحريف الدين وتغييره.
وبالإضافة إلى ما سبق يرى المبتدع أن العبادة التي شرعها الله تعالى لعباده إما أنها غير كافية لتحقيق مقصد العبودية، فلا بد من استحداث عبادة جديدة، أو أنها ثقيلة على النفس لا بد من التخفيف منها والتعديل في أوصافها، وكلا الأمرين افتئات على الشارع في حق التشريع وقول على الله بغير علم، وهو سوء ظن بالله تعالى؛ إذ يرى المبتدع أن ما شرعه الله من دين أو عبادة يعتوره النقص ويعتريه الخلل.
فإذا كانت الطريقة المختَرعة لا تتعلق بالعبادة ومشتملاتها، بل هي متعلقة بالأمور الدنيوية المرتبطة بمصالح الناس وإدارة شؤونهم وتسيير حياتهم فلا تسمى بدعة، ولا ينبغي أن توصف بذلك، وإلا لكانت الحياة كلها مبتدعة بعد عهد النبي عليه السلام نظراً للتطور الهائل والتغير الكبير الذي حصل فيها.
ومما يدل على أن البدعة لا يمكن أن تكون إلا في العبادة تمييز العلماء بين ما هو عادة وما هو عبادة، فاعتبروا أن الأصل في العبادات التوقف أي الوقوف عند الحد الذي بينه الشارع، والأصل في المعاملات التعليل أي البحث عن الحكمة والمصلحة التي شرع لأجلها الحكم، فالتمييز بين ما هو عادة وما هو عبادة هو الذي يرفع الإشكال ويزيل الخلل.
 فلا بدعة في غير العبادة؛ لأن الله تعالى خلق هذا الوجود وأمرنا بعمارته فقال تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" ولا يمكن لهذا العمارة أن تتحقق بداهة إلا بالابتكارات والاختراعات، واكتشاف كل ما هو جديد.
 فقد وهب الله تعالى الإنسان العقل الذكي وأقام هذا الوجود على قوانين وسنن، ووجه الإنسان لاكتشاف تلك القوانين وتسخيرها لمصلحته ومنفعته، وابتكار كل ما هو نافع ومفيد له في حياته ومعاشه، ولا يكون ذلك إلا بالإبداع والابتداع، وقد بين ذلك الأصفهاني ببليغ عبارته حيث يقول:
لما جَعل-الله- للإنسان قوةَ الفكرة تَرك مِن كل نعمة أنعمها تعالى عليه جانباً يصلحه هو بفكرته؛ لئلا تبطلَ فائدةُ الفكرة فيكون وجودُها عبثاً.
فالابداع في أمور الدنيا وشؤونها بالتطوير والتحسين مقصد شرعي، إذ به تتحقق للأمة مصالحها، ويعلو قدرها وشأنها، وبه تصبح مهابة الجناب محمية الحمى.
إن إصرار البعض على تعميم مفهوم البدعة وتوسيع نطاقها لتشمل كل ابداع  وتطور في الحياة، يؤدي بالضرورة إلى تأخر المسلمين وتخلفهم وتحولهم إلى من دائرة الفعل إلى دائرة رد الفعل، ومن حالة المنتهج إلى حالة المستهلك، مما يجعلهم عالة على الأمم الأخرى في وجودهم ومعيشتهم، وهذا يتناقض كفاحاً مع مقصد الشهود الحضاري الذي أراده الله لهذا الأمة بقوله تعالى : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" .
آن لنا الأوان لنقف وقفة جريئة في وجه تلك الدعوات التي تتخذ من مفهوم البدعة سلاحاً لمواجهة كل تقدم وتطور في حياتنا، وتحملنا على وأد كل إبداع وابتكار يعمل على تحسين حياتنا وتطويرها ويجعلنا قدوة وأسوة لغيرنا من الأمم بحجة أنه بدعة وكل بدعة ضلالة، فليس هناك بدعة أبدع من اعتبار الإبداع بدعة وضلالة.

التعليق