الديني والسياسي في حديث الافتراق

تم نشره في الجمعة 2 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

د. عصر محمد النصر

يعد حديث الافتراق من الأحاديث التي اختلفت فيها أنظار الناس، خصوصا المعاصرين منهم، حيث مثلت معانيه لدى بعضهم مثار جدل، جعلت منه محل خلاف، بل ورد عند بعضهم، هذا وإن كان من تقدم ممن تكلم على الحديث إنما رد بعض ألفاظه حيث فهم منها ما ظن انه مخالف لمقررات الشرع وأحكامه، كقوله:" كُلُّهَا فِي النَّارِ" ، وممن رد الحديث الدكتور الفاضل محمد الشريفين في مقاله "حديث الفرقة الناجية سنة أم سياسة؟" والذي نشرته جريدة الغد في عددها الصادر الجمعة الماضية، إلا أن الدكتور -وفقه الله- أتى بما لم يُسبق إليه من المعاني أو الألفاظ التي تستخدم لدى المشتغلين بعلم الحديث على مر تاريخهم، فضلا عن النتائج التي توصل إليها، وقد رأيت أن من الأمانة العلمية مناقشة الدكتور -وفقه الله- في بعض ما قرره، رغبة في الحوار والوصول إلى الحق، وجعلت الكلام في محورين اثنين: الأول: الديني، والثاني: السياسي، على النحو الآتي :
المحور الديني: انطلق الدكتور في تعامله مع حديث الافتراق على اعتبار أن مضمونه "يشكل محرك الافتراق والاحتراب بين المسلمين"، وأن له "آثارا كارثية" لا يمكن حصرها، ثم شرع في بيان مخالفته للقرآن، ويظهر لنا خطأ الدكتور حيث رأى أن الحديث يدعو إلى الفرقة ويأمر بها، ومن نظر في ألفاظ الحديث رأى أنها منسجمة مع مقررات الشرع غير خارجة عنه، فالحديث يخبر عن حصول الافتراق الذي هو سنة كونية في دنيا الناس، وهو عين ما ذكره الله في كتابه في أكثر من آية، كقوله تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم" ( هود، الآية 119،118) وفي هذا المعنى كل آية ذكرها الله تعالى في كتابه في اختلاف الأمم من قبلنا، فهي تدخل في خطابنا التكليفي، ومما يضعف المعنى الذي فهم الدكتور أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك ذكر الفرق الهالكة لعدم تشوف الشرع إلى الخلاف، بل وأتى بذكر أوصاف واحدة منها حثا منه على العمل بصفاتها والانتساب إليها، وفي ذلك اجتماع لا افتراق، ومن ذلك -أيضا- أن الصفات المذكورة في روايات الحديث المتعددة، منسجمة مع أحكام التكليف التي أتى بها الشرع، فالشرع نهى عن التفرق وحذر منه، وهكذا الحديث، والشرع أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم للسلامة من الخطأ والزلل وهكذا الحديث، والشرع أثنى على الصحابة وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وهكذا الحديث، وما يقال فيه يقال في كثير من المعاني الشرعية ونصوصه المتعددة، وقد أوضحت جملة هذه المسائل في مقالي "حديث الافتراق ومناطات التكليف" الذي نشر على صفحات جريدة الغد في أعداد سابقة. كما انطلق الدكتور في رده للحديث، من أن الحديث جعل الانتماء للطائفة معيارا للنجاة، بينما القرآن جعل التقوى معيارا للنجاة، والحقيقة أن هذا فيه ضرب للمعاني الشرعية بعضها ببعض، فان سياق الحديث مختلف تماما عن سياق الآية، والمعتبر فيه أي الحديث هي صفات تلك الفرقة وهي معاني شرعية كما تقدم كمعنى التقوى، ومن تأمل النصوص الشرعية رأى أنها تحمل من المعاني ما يناسب السياق الذي ترد فيه كقوله تعالى: "أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ*الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ"(يونس، 63،62)، وكقوله: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"(آل عمران، الآية 110)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ" وقوله: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ"، وغيرها كثير، فهذه كلها معايير للفلاح في الدنيا والفوز في الآخرة، وهي الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك قول الدكتور إن الحديث جعل الأمة في عداد الأسوأ من بين الأمم، ودليل ذلك أنها الأكثر تشرذما، ورأى أن ذلك يخالف معنى القران كما في قوله تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ"(آل عمران، الآية 110)، وفي التعبير بالأسوأ هنا تجاوز عن معاني تضمنها الحديث كما تضمنتها نصوص شرعية أخرى، من أن هذه الأمة هي أكثر الأمم يوم القيامة، وكذلك هذا الحديث يدل على أن هذه الأمة هي أكثر الأمم، كما أن اليهود والنصارى أكثر من غيرهم ممن سبقهم، والأصل حمل الأحاديث على أحسن معانيها وأفضلها لا على غير ذلك، وهنا نأتي إلى مسألة نختم بها الكلام عن المحور الديني، وهي طريقة الدكتور في التعامل مع الحديث، وجملة الألفاظ التي يعبر بها عنه، حيث ورد في مواضع من مقاله ما يستدعي الوقوف معه، فضلا من الجرأة في رد الحديث وتجاوز أحكام الاجتهاد التي يراعيها أهل العلم في مثل هذا الموضع، فالمتقرر عند أهل الحديث تعظيم الحديث النبوي، ويظهر هذا في الإيمان به، والعمل بمقتضاه، والتسليم لحكمه، وإيمانهم إيمان مطلق لا يقف على توفر شرط أو انتفاء مانع، وهذا التعظيم لا يقتصر عندهم على الحديث الصحيح بل يشمل الحديث الضعيف المحتمل، مراعاة لجانب النسبة الشريفة، وقد ظهرت أحكام هذا التعظيم في تعاملهم مع الأحاديث الضعيفة في جانب القول والعمل،  ففي جانب القول: يتأدبون في إطلاق الألفاظ المناسبة لحال الحديث بدون إسراف في ذلك أو تعدي، فلا يطلقون النكارة مثلا على قريب الضعف ولا يصفونه بما يهّون من أمره في نفس متلقيه، وفي جانب الفعل، يصنفونه تصنيفا يليق به فلا يوضع في جملة الواهيات أو المنكرات ومن باب أولى الموضوعات،  فتعظيم الحديث هو من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مقتضيات الإيمان به والشهادة له.
وأما المحور الثاني: المحور السياسي:
من المنطلقات التي اعتمدها الدكتور في رده للحديث ما سماه: "حضور السياسة" وعلى ذلك بنى قوله "وقد وضِعت هذه الرواية لتعزز أحقية وشرعية فرقة الجماعة في مقابل الفرق الأخرى"، وفي هذا الكلام تجاوز لمعيارية شرعية واقعية، تتعلق بحقيقة الإسلام وتحقيقه في واقع الناس، وأصل ذلك أن الإسلام له حقيقة، ما لبث الناس أن اختلفوا عليه، فتضمن هذا الاختلاف مفاهيم وأفكارا أصبحت جزء من اعتقاد المختلفين، فكان نقل الإسلام إلينا يتضمن الإجابة عن اختلاف المختلفين، وكانت معيارية الحق هو اتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما زال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم وسار على طريقهم ينتهجون هذه الطريقة في تحقيق الإسلام ودفع ما يرد عليه من أسئلة أو يكتنف أهله من سلوك، كل ذلك تحت مسميات تأريخية معروفة، وقد مثلت تلك المسالك في الأجوبة على الوقائع محددات لمفاهيم الإسلام ورصدا لحقبه التأريخية، ومن جانب آخر فان معرفة هذه المسميات وما تضمنته من معاني هو في حقيقته من باب المحافظة على حقيقة الإسلام، وهي  سنة من سنن الله الإلهية التي يحفظ بها الحق ويدفع بها الباطل ولولا ذلك لفسدت الأرض، وأما لفظ الجماعة فهو لفظ شرعي له مقوماته من اجتماع الناس على الكتاب والسنة، والأخذ بما اجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم، والالتزام بجماعة المسلمين وإمامهم، وأما صرف هذه المعاني بحجة السياسي، فأول من قال به هم المعتزلة، وقد ظهرت فكرة التفسير السياسي للتاريخ في الثقافة الغربية بعد ذلك، وعنهم أخذها بعض المسلمين كالجابري وغيره، وهو ما ضمنه الدكتور محمد الشريفين في مقاله، وهنا يظهر عدم التفريق بين المعاني الشرعية التي يتضمنها لفظ الجماعة وبين بواعث انتشار هذا المفهوم أو توظيفه إن وجد، ولكن السؤال هل خلا كلام الدكتور من التأثر بالسياسة أم أن أفكاره في المقال مبنية على فكرة سياسة؟،  والحقيقة أن أفكاره مبنية على فكرة سياسية، وقد ظهر هذا في أمرين: الأول في استشهاده بكلام الدكتور حاكم المطيري -وفقه الله- في رده لهذا الحديث، وقد فات الدكتور في معرض استشهاده بكلام الدكتور حاكم المطيري أن للدكتور حاكم فكرة سياسة أوجبت له التكلف في رد الحديث، وهي أن الدكتور كغيره من أبناء التيار السياسي الإسلامي ينطلقون من سؤال الحكم في بناء مشروعهم السياسي، ومن أحكام هذا السؤال رفض الاستبداد بكل صوره، ومنها الحكم الوراثي أو حكم الأسرة، وأن السيادة بيد الأمة، وعليه فكل مفهوم يأتي في سياق تعزيز ما يظن أنه استبداد فهو محل رفض، كلفظ الجماعة الذي يظن أنه في تعزيز شرعية حاكم معين، ومن نظر في مؤلفات الدكتور المطيري رأى ذلك واضحا، والحقيقة أن هذا مثال لإقحام السياسة في المفاهيم الشرعية، وأما الأمر الثاني والذي يظهر تأثر الدكتور محمد الشريفين بالباعث السياسي في رده للحديث، فيظهر من خلال بيان علاقة الأفكار بالسياسة، فقد مثلت السياسة بتوجهاتها نافذة على كثير من الأفكار، بل يمكن من خلالها استشراف مستقبل فكرة ومعرفة انتشارها، ففي وقت شهد صعود الاتحاد السوفياتي أصبحت الشيوعية بما تحمله من بعد فلسفي مادة ملهمة لكثير من القوى الصاعدة في العالم ومنه عالمنا العربي، فتشكلت أفكار وبنيت عقائد عليها، وأصل ذلك أن للقوي سياسيا هيمنة تعطي فكره شرعية وقوة، وهذا المقدار من الترابط بين السياسة والأفكار لا يختص بتوجه سياسي بل يشمل جميع القوى السياسية، فكل توجه له فكرة ينطلق منها، وكل فكرة لها أرض وقرار، وفي واقعنا اليوم مثلت الحداثة ودولها الداعمة لها مصدرا لكثير من الأفكار.
وفي الختام هذا ما أحببت بيانه فيما يتعلق بمقال الدكتور، على أني أذكّر أن واجبنا في ظل الاختلاف العام الذي تمر به الأمة الحفاظ على المفاهيم الشرعية وحقائق الدين، وهذا من أعظم واجبات أهل العلم، والابتعاد بها عن الجدل حفظا لتدين الناس. 

التعليق