اسرائيل.. وابل من النيران الصديقة

تم نشره في الأحد 4 شباط / فبراير 2018. 01:03 صباحاً

لا أظن أن اسرائيل خسرت منذ تأسيسها خسارة تعادل فقدانها لأحد المرتكزات التي استندت إليها في كسب التعاطف وطلب الدعم والتمرد على الشرعية الدولية. اسرائيل التي رفضت الانصياع للقرارات الدولية وطالبت العالم بمعاملة استثنائية كتعويض عن ما تعرض له اليهود في اوروبا إبان الحرب العالمية الثانية تشهد اليوم تشكيكا جديا بالرواية اليهودية على أيدي البرلمان البولندي الذي ظل صديقا لاسرائيل حتى يوم الخميس الماضي.
في الخطاب الذي يوجهه الزعماء الاسرائيليون لليهود والعالم تستخدم رواية المحرقة (الهولوكوست) كمفتاح اساسي لاثارة الاهتمام وكسب التعاطف والتدليل على التمييز والحاجة الى وطن وتبرير هجومهم او اتهامهم او ابتزازهم لكل من يخالفهم او يدلي بما لا يعجبهم من اقوال او افكار او مشاعر. الرواية اليهودية تقول بأن كراهية اليهود والرغبة في الانتقام والمعاداة لهم كعنصر سامٍ كانت الدافع وراء تجميعهم في معسكرات خصصت لتعذيبهم وإبادتهم في بولندا وبعض البلدان الاوروبية الأخرى التي احتلها الالمان إبان الحرب العالمية الثانية، فقد ابتدعوا فكرة معاداة السامية كأرضية لاتهام كل من ينتقد سلوكهم أو لا يعبر عن تأييد ما يقومون به من أعمال وتعديات.
  الزعماء الذين قادوا الكيان الاسرائيلي كانوا ولا يزالون يرددون عبارة "never again" في اشارة الى اهمية الحفاظ على اليهود في دولة احادية الهوية للحيلولة دون ان يتكرر ما حصل لهم إبان دخول النازيين الى بولندا. هذه الفكرة التي كانت حاضرة في لغة الزعماء اليهود كلما طالبهم العالم بالامتثال للشرعية الدولية؛ فقد استخدمها اسحق رابين واسحق شامير وشارون واخيرا نتنياهو.
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الشرقي كانت بولندا إحدى اكثر  مجتمعات اوروبا الشرقية ارتباطا باسرائيل وإحدى اهم الدول التي سهّلت موجات الهجرة اليهودية الى فلسطين. العلاقة بين بولندا ودولة الاحتلال قديمة ومعقدة؛ فمن ناحية كانت بولندا قبل الحرب العالمية الثانية موطنا لما يزيد على 3.5  مليون يهودي ومن ناحية اخرى اشتركت كل من بولندا واسرائيل في تبني ونشر رواية المعسكرات التي أقامتها النازية  لليهود على الارض البولندية مما طور صلات التنسيق والتعاون بين الشركاء وخلق حالة من التعاطف والتفهّم بين الاسرائيليين والبولنديين.
البرلمان البولندي وفي خطوة اثارت اسرائيل وحلفاءها في الادارة الاميركية صوت 57 من اصل 82 عضوا على مشروع قانون يجرّم الاشارة الى تورط بولندا في المحرقة النازية التي ارتكبت على الاراضي البولندية خلال الحرب العالمية الثانية.
في  الحديث عن مبررات صياغة هذا التشريع  يرى حزب القانون والعدالة  البولندي أن القانون مطلوب لحماية سمعة البلاد ولضمان اعتراف المؤرخين بأن البولنديين كانوا ضحايا للنازية مثلما كان اليهود. المقاومة الاسرائيلية والرفض الاميركي للقانون ليس لأن القانون لا يستند على أسس ومبررات تاريخية بل يأتي من الخوف بفقدان الصهيونية لأحد أهم الأسس والمبررات التي سوقت فكرة الدولة القومية. فالحقائق التاريخية تشير الى مقتل ما يزيد على مليون ونصف مليون بولندي على ايدي القوات النازية.
اهمية القانون البولندي لا تقف عند حماية سمعة البلاد بل إنه يشير وبوضوح إلى أن  جرائم النازية طالت جميع الشعوب بما فيهم البولنديون واليهود وآخرون من جنسيات أخرى، وهو بذلك يدحض او يشكك في الرواية الاسرائيلية التي  جرى ترويجها واستغلالها لأكثر من سبعة عقود، تلك الرواية التي تزعم بأن  اليهود وحدهم عانوا من جرائم الابادة التي نفذها النازيون في اوروبا وانهم الضحايا الذين اهملتهم الدول الاوروبية والعالم ليقعوا ضحايا لجرائم الاحتلال النازي. ولهذه الاعتبارات طالب اليهود العالم بمساندتهم وحمايتهم واستمروا في لعب دور الضحية حتى وهم يعتدون على حقوق الشعوب الاخرى ويسلبونهم حقهم في العيش والتملك والحرية والكرامة.
 القانون البولندي الجديد يشكل تحولا تاريخيا مهما فهو يفكك الرواية الاسرائيلية ويصحح الكثير من المغالطات ويجرد الزعماء اليهود وخطابهم من أحد أهم المبررات التي استخدموها للقتل والاحتلال والتنكيل وطلب الدعم والمساندة وهو مادة خصبة يمكن للإعلام العربي ان يتلقفها وينشرها ويوظفها في تعرية صحة الادعاءات وكشف زيفها.

التعليق