د.أحمد جميل عزم

"المبادرة الأميركية".. أربعة سيناريوهات

تم نشره في الأربعاء 7 شباط / فبراير 2018. 12:08 صباحاً

لو قام فريق التعامل مع الشرق الأوسط، في الإدارة الأميركية الحالية، بالتفكر في تجارب الماضي لأدرك أنّ محاولات تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية، والفلسطينيين، دبلوماسيّاً، وسياسياً، كان يتبعها دائماً انتفاضات فلسطينية، تخلط الأوراق إقليمياً. ومن هنا فمحاولة مبعوث الإدارة الأميركية، جيسون غرينبلات، وفريقه المكلف، بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الالتفاف على الفلسطينيين، واقتراح مبادرة إقليمية تتجاوزهم، أو السعي لقيادة بديلة، أو تجاهل القضية، أو طرح مبادرات مفاوضات عبثية جديدة، هي جميعها سيناريوهات تفتقد للرؤية الاستراتيجية الحكيمة.
حذّر غرينبلات، الفلسطينيين الأسبوع الفائت، أنّ عدم القيام "بالمحادثات" هو أمر "فظيع" بالنسبة إليهم. وحذر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنّه قد يتراجع عن طرح "عرض" للسلام إذا استمر الموقف الفلسطيني الراهن.
هناك أربعة سيناريوهات تلوح في أفق السياسة الفلسطينية؛ يقوم اثنان منهما على تجاوز القيادة الفلسطينية. والطريقة الأولى لتجاوز القيادة الفلسطينية هي الحديث مع شخصيات فلسطينية ورجال أعمال، بهدف ضمني هو تحقيق خطة الحكم الذاتي الإسرائيلية، الكلاسيكية، التي تريد تسكين الألم الفلسطيني، ببعض المكاسب الحياتية والاقتصادية المحدودة، وجعل الأمر بيد بعض الشخصيات والوجهاء والتجار، دون دولة أو سيادة. وهذا سيناريو سيفشله الفلسطينيون بالقوة، وقد قام شبان الأسبوع الفائت، (من المحسوبين عمليا على المعارضة) بطرد مسؤولين أميركيين جاؤوا للاجتماع برجال أعمال وفعاليات تجارية فلسطينية في بيت لحم. في مؤشر أنّ أي محاولة لتجاوز العنوان الرسمي للفلسطينيين، سيجابه برفض فلسطيني شامل. وربما يكون هدف هذا التواصل إضعاف القيادة الفلسطينية وتحذيرها لتقبل بما يعرض عليها، وفق السيناريوهات الأخرى.
الطريقة الثانية لتجاوز لقيادة الفلسطينية، كما صرح مسؤولون، منهم وزير الخارجية، رياض المالكي، الالتفاف على الفلسطينيين، وقضيتهم، بفتح قنوات بين إسرائيل ودول عربية. والواقع أنّ خطة الأمن القومي الأميركية المعلنة نهاية العام الفائت، تدعم التخوف الذي يبديه المالكي، وذهبت تلك الخطة للقول إنّ الدول العربية اكتشفت أنّ إسرائيل ليست سببا للتوتر في المنطقة، وأنّ هناك أسبابا أخرى تدعم تعاون عربيا مع الإسرائيليين.
أما السيناريو الثالث الذي يلوح في الأفق، فهو أن يبقى الأميركيون يتحدثون عن خطة "صفقة نهائية" كما يفعلون منذ مجيء هذه الإدارة، دون أن يقدموها، وسيستغلون الموقف الفلسطيني، للقول إنّ الظرف غير مُهيّأ لطرح خطة.
أمّا السيناريو الرابع، فأن يقول الأميركيون أنّ "رفع القدس عن الطاولة"، كما صرّح ترامب ذاته، و"رفع المستوطنات عن الطاولة" بالاعتراف سلفاً بضم الإسرائيليين لها، أو غض النظر عن ذلك، لا يخل بقضايا الحل النهائي، بل يمهد للتفاوض، وأنّه يجب على الفلسطينيين الجلوس للتباحث مع الإسرائيليين. ولوضع نقطة بداية جديدة، من المحتمل عرض صفقة على الفلسطينيين، للقبول بالوضع الراهن مع تسمية أراضي المنطقة (أ) بعد توسعتها لتصل نحو نصف الضفة الغربية، ومعها غزة، باسم "دولة"، عاصمتها في ضواحي القدس، مقابل مساعدات مالية ضخمة، ودون أي سيادة، ومع التنازل سلفاً عن أراضي المستوطنات، والتفاوض على الحدود النهائية لاحقاً، أي العودة للمفاوضات العبثية لتمرير المزيد من الاستيطان، وجعل اتفاق أوسلو القديم هو الاتفاق النهائي، أو الاتفاق طويل الأمد، مع استبدال اسم السلطة الفلسطينية، باسم الدولة.
مقابل هذه السيناريوهات الأربعة، التي يريد فيها الأميركيون تجاوز الفلسطينيين، وقضيتهم، بقرار عربي يتجاوزهم، أو بالمزيد من التمزق السياسي الداخلي، أو بتعاون القيادة الفلسطينية بالعودة "للمحادثات" العبثية التي تغري بالإحساس بوجود أمل وعملية سلام، مع بعض "الإنجازات" الرمزية، لا زال هناك انتظار شعبي فلسطيني، لرؤية إذا كانت القيادة الفلسطينية تمتلك فعلا خطة عمل؟ وبعض معالم هذه الخطة نوقشت في اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الأخير، وأخذت شكل قرارات، يحتاج تجسيدها للكثير من العمل وللتجديد في أطر ومؤسسات العمل الفلسطيني.
بدون خطة عمل فلسطينية مضادة، فإنّ السيناريوهات الأميركية الأربعة ستنجح، فالقيادة ستضعف، والانتظار العربي سيصبح أقل، وستتساوى العودة للمفاوضات أو عدم العودة، فالنتيجة في الحالتين ستكون إضاعة المزيد من الوقت ليتحقق المزيد من الاستيطان والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين، ولكن السيناريو المحتمل الخامس، حينها، سيكون انتفاضة وهبّة في الشارع الفلسطيني، وبين اللاجئين في الخارج، تحاول مجدداً استلام زمام الأمور، وسيصعب رؤية تقدم الخطط الإقليمية الأميركية في هذه الحالة.

التعليق