الركود الاقتصادي جاء ليبقى في روسيا

تم نشره في الخميس 8 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

جوزيف ناي*

شيكاغو- في الأيام الأولى من العام 2018، يشهد الاقتصاد الروسي ركودا واضحا. وهذا ليس شذوذا إحصائيا: فلم يتجاوز متوسط معدل النمو السنوي في روسيا 1.2 % في الفترة من 2008 إلى 2017.
وفي العام الماضي، كان معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في روسيا 1.5 %، مقارنة بنحو 2.5 % في منطقة اليورو، و2.3 % في الولايات المتحدة -وكل منهما اقتصاد متقدم وينبغي له أن ينمو بمعدل أبطأ من اقتصاد نام مثل الاقتصاد الروسي بنحو 2 إلى 3 نقاط مئوية. وكما يدرك وزير الاقتصاد الروسي، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، فإن هذا الأداء الهزيل من المرجح أن يستمر.
لن يكون تعزيز نمو روسيا في حكم الممكن إلا من خلال إصلاحات بنيوية عميقة، لأن الاقتصاد راكد بكامل طاقته. ومع ثبات معدل البطالة عند مستوى 5.5 % تقريبا للعام الخامس على التوالي -وهو المعدل الذي يثير حسد أي بلد متقدم- فإن عدد العاطلين الذين يمكن توظيفهم قليل. وعلى نحو مماثل، كان استغلال القدرة في قطاع التصنيع عند المستوى نفسه الذي بلغته في القمتين السابقتين (2007-2008، ثم 2013)، وهذا يعني أن القدرة الاحتياطية التي يمكن استغلالها لا وجود لها تقريبا.
ومن منطلق إدراكه لحقيقة مفادها أن السياسة النقدية غير مفيدة في ظل هذه الظروف، عمل البنك المركزي على خفض معدل التضخم إلى 2.5 % في العام 2017، وهو أدنى مستوى في 25 عاما من الرأسمالية الروسية. ولو لم تواصل أسعار النفط ارتفاعها -وهو احتمال مستبعد- فإن المصدر الوحيد الممكن للنمو في روسيا هو الإنتاجية. وهذا يتطلب قدرا كبيرا من الإصلاح.
يتمثل أحد هذه الإصلاحات في توسيع الفرص أمام المستثمرين الأجانب للعمل في روسيا. على مدار العقد المنصرم، كان الأجانب ممنوعين من الدخول في استثمارات في أكثر من 40 صناعة مصنفة من قِبَل الحكومة على أنها "حساسة وبالغة الأهمية للأمن القومي". وتسبب هذا الحظر، رغم كونه مفيدا لأهل الصناعة، في تقليص قدرة روسيا على الوصول إلى الأسواق المالية، والأمر الأكثر أهمية أنه حد من قدرتها على الحصول على التكنولوجيات الجديدة، التي تتبع التدفقات المالية.
ثم تسببت العقوبات المالية، التي أعقبت "إعادة ضم شبه جزيرة القرم" قسرا إلى روسيا في العام 2014، في زيادة حِدة عزلة روسيا، وكذا التحركات التي اتخذتها روسيا للانتقام: سلسلة من القيود التجارية واسعة النطاق، بما في ذلك الحظر الصريح المفروض على الواردات الغذائية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ولن يفضي رفع هذه القيود إلى إعطاء الاقتصاد الروسي دَفعة فورية فحسب، بل وسوف يزيد أيضا من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الأمد البعيد.
يتمثل إصلاح آخر مطلوب بشدة في الخصخصة. في تسعينيات القرن العشرين، خضع الاقتصاد الروسي لموجة واسعة النطاق من خصخصة الأصول الصناعية. ولكن خلال حكم فلاديمير بوتن الذي دام 18 عاما حتى الآن، انعكس اتجاه هذه العملية إلى حد كبير، حتى أن الشركات التي تسيطر عليها الدولة اليوم تمثل ما يقرب من ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي في روسيا.
ورغم أن هذا التأميم كان شبه شامل كمثل موجة الخصخصة التي سبقته، فإنه لم يكن متسقا أو راسخا على نحو صريح كسياسة رسمية. فقد جرى تأميم بعض المؤسسات من أجل خلق "أبطال وطنين" (مؤسسات قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية). وجرى تأميم شركات أخرى كوسيلة لترسيخ السيطرة السياسية على كل من يميلون إلى مناصرة المعارضة.
كما وقع جزء من الأصول الصناعية تحت سيطرة الدولة في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008. ومنذ تعيين إلفيرا نابيولينا رئيسة للبنك المركزي الروسي في العام 2013، تم تأميم المزيد من البنوك الخاصة الكبرى كجزء من جهود أكبر لتطهير النظام المصرفي.
أيا كانت المبررات التي ساقتها الحكومة للتأميم، فالحقيقة هي أن المؤسسات التي تسيطر عليها الدولة تعاني من أوجه قصور، وتعمل من خلال نظام الحوافز الذي يولد الفساد. وإذا كان لروسيا أن تنجح في بناء اقتصاد ديناميكي حقيقي تدعمه صناعات قادرة على المنافسة عالميا، فإنها تحتاج إلى قطاع خاص أقوى.
يبدأ الإصلاح الاقتصادي بالتغيير السياسي. وفي أي ديمقراطية ناضجة، يأتي هذا التغيير غالبا بعد أزمة اقتصادية؛ حيث يصوت المواطنون لصالح قيادة جديدة ملتزمة بتنفيذ الإصلاحات. وفي دولة تفتقر إلى مؤسسات ديمقراطية قوية، فربما يأتي التغيير في هيئة ثورة أو انتقال سلمي للسلطة، وإن لم يكن ديمقراطيا في بعض الأحيان.
ولكن في حالة روسيا، لا يلوح التغيير السياسي قريبا في الأفق. ففي الانتخابات الرئاسية المقرر أن تُعقَد في آذار (مارس) 2018، يعتزم بوتن -الذي يحظى بكامل تأييد النخب الروسية ويتمتع بسيطرة كاملة على وسائل الإعلام وأجهزة الدولة- خوض المسابقة ضد منافسين رمزيين. ويدير أليكسي نافالني، أحد زعماء المعارضة الشعبية، حملته الانتخابية على أساس برنامج مناهض للفساد والذي يتناول في حقيقة الأمر التحديات البنيوية التي تؤثر على الاقتصاد الروسي ويتضمن بعض الإصلاحات الضرورية الداعمة للسوق. ولكنه ممنوع من المشاركة فعليا في الاقتراع.
لذا، يكاد يكون من المؤكد أن بوتن سيفوز بفترة ولاية رابعة. وفي غياب أي تهديد لنظامه في الأمدين القريب والمتوسط، فليس هناك من الأسباب ما قد يدعونا إلى الاعتقاد بأن أي شيء قد يتغير في المستقبل المنظور.

*مساعد وزير الدفاع الأميركي السابق ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني الأميركي، هو أستاذ جامعي في جامعة هارفارد. هو مؤلف "هل القرن الأميركي أكثر"؟.
*خاص بـ"الغد"  بالتعاون مع بروجيكيت سنديكيت

التعليق