وظيفة الدين في الحياة

تم نشره في الجمعة 9 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

ليس الدين بالأمر الطارئ على الحياة، بل هو قديم قدم الإنسانية، وليس هو بالغريب على النفس، فهي تعرفه حق المعرفة وتأنس بالقرب منه، وإذا كان بعض من الناس قد أوجد غربة بينه وبين الدين، أو حاول التمرد على فطرة التدين واتخذ منها موقفاً سلبياً، فليست هذه هي قاعدة الحياة وسنتها، بل هي شواذها ومستثنياتها التي لا تخل بعموم القاعدة واطّرادها، بشهادة التاريخ وشواهده.
ولم يكن  تفاعل الإنسان مع الدين واهتمامه به وخضوعه له، إلا لأنه يقدم له جملة من المنافع ويحقق له عدداً من الفوائد، ويؤدي الوظائف التي عجزت  كل المؤسسات أو الأفكار والنظريات عن أدائها؛ لذلك يعتبر الدين ضرورة من ضروريات الحياة الإنسانية، فهو يتسنم سُلّم هذه الضروريات ويعلو قمة الهرم فيها.
ولعل إشباع حاجات الإنسان الروحية وتحقيق أشواقه الوجدانية، هي أبرز وأهم  وظيفة يؤديها الدين في حياة الإنسان، فبه تسمو النفس وترتقي الروح ويتهذب الوجدان، ومن خلاله يدرك الإنسان فلسفة الحياة، ويعرف قيمتها، فالدين هو الذي يقدم للإنسان الإجابات المريحة لكل ما يدور في ذهنه وما يجول في خاطره من تساؤلات متعلقة بهذه الحياة وعن دوره فيها، وعن مآله ومصيره بعد انتهائها، وهذا بدوره يريح الإنسان ويخفف عنه عناء الحياة وصعوباتها، ويجعله يشعر بالسكينة والاستقرار فيتصالح مع الوجود، ويشعر بالانسجام والاتساق معه، فالدين ليس مجرد كمٍ من الأعباء والتكاليف التي تثقل كاهل الإنسان وتلحق به المشقة والعنت، بل هو غذاء للروح وإشباع للوجدان وإرضاء للضمير، لا يستغني عنه المرء كما لا يستغني عن طعامه وشرابه وجميع مستلزماته.
لأجل ذلك يعتبر التدين حقاً من حقوق الإنسان لا يقل أهمية عن حقوقه الأخرى؛ يجب حمايته وصيانته وتوفير الضمانات التي تحميه وتصونه؛ لأنه تعبير حقيقي عن ضمير الإنسان ووجدانه، ومن الصعب والعسير على الإنسان أن يهنأ بحياة، أو أن ينعم بعيش يتناقض مع ضميره ووجدانه، فحق التدين هو حق الإنسان في أن يعتقد ما يراه صوباً، وأن يخضع لما تمليه عليه اعتقاداته وقناعاته، وأن لا يقوم بعمل يتناقض مع ضميره، أو أن يمارس سلوكاً لا يتسق ولا ينسجم مع  ما يمليه عليه اعتقاده ووجدانه.
وإذا كانت تلك هي وظيفة الدين وقاعدته الأساسية، فليست هي الوظيفة الوحيد، بل إن للدين وظائف أخرى تنبثق من تلك الوظيفة وتتكامل معها، حيث يعتبر من أهم وسائل تهذيب سلوك الإنسان وضبط انفعالاته والتحكم في غرائزئه ومتطلباته؛ قال تعالى:" وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ" وهو يعتبر من أجلّ أدوات الضبط الاجتماعي وأكثرها فاعلية، في وقاية المجتمع من الجريمة وحماية الفرد من الشذوذ والانحراف، قال تعالى:" إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" .
فالدين يحرم ويجرم ويمنع كلَ سلوك مَشين من قتل وكذب وسرقة وغيرها، ويندب إلى كل سلوك قويم من صدق وعدل وتسامح؛ ليس فقط مع الموافقين في الدين بل وحتى مع المخالفين، قال تعالى : " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا"، ولابن حزم في هذا المقام عبارة بديعة إذ يقول: "ثقْ بالمتدين وإن كان على خلاف دينك ولا تثق بالمستهتر وإن على دينك" فليس كالدين وسيلة فعالة في ضبط سلوك الإنسان وخلق روح المراقبة الذاتية لدية، تلك المراقبة التي تحجز الإنسان عن الوقوع في الشر والإفساد في الأرض.
وتمتد وظيفة الدين لتشمل العلاقات الاجتماعية بين الناس، من خلال تمتين روابط التكافل وتعميق وسائل التعاون والتعاضد بين الأفراد والجماعات، فأصبح مَثلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما ورد في الحديث الشريف، فمن حق الجميع أن يحيا حياة تليق بآدمية الإنسان وتتناسب مع تكريم الله له.
وقد ذهب الدين إلى أبعد مدى في تعزيز قيم الرحمة والإحسان ، حتى شملت الحيوان الأعجم، قال تعالى:"حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" فالمؤمن لا يؤذي بقصد، حتى ان  النملة الصغيرة تأمن وتطمئن بوجود المؤمن وتأنس بقربه، وقد ورد في الحديث الشريف قوله عليه السلام "في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" وأن امرأة دخلت النار في هرة، وكان عدي بن حاتم الطائي يَفتُ الخبز للنمل، ويقول: إنهن جارات ولهن علينا حق الجوار.
وإذا كان البعض قد حاول أن يخرج الدين عن وظائفه الحقيقة في الحياة، فزج به في غير معتركه، فجعل منه عبئاً ثقيلاً على النفوس، أو وظّفه لخدمة مصالحه وأهدافه الشخصية، أو جعل منه أداةً لتفريق المجتمعات وإعاقة حركة تقدمها وتطورها، أو اتخذ منه وسيلة للقتل والتدمير أو غيرها من السلوكيات التي تتناقض وجوهر الدين، فليس العيب في الدين ولا المشكلة في التدين ذاته، إنما هي في تلك السلوكيات الشاذة والغريبة التي ينبغي على العلماء التصدي لها ومواجهتها بالحجة والبرهان خدمة للدين أولاً وللإنسانية ثانياً.

التعليق