بين الحرية الشخصية وحقوق المجتمع

تم نشره في الجمعة 9 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

شاركت قبل أسبوعين في لقاء نظمته جمعية الإيدز العالمية، بالتعاون مع جامعة نيويورك وبدعم من منظمة أوبيك، وذلك في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان اللقاء حول المجتمعات المحافظة ومسألة الخوف من العار (Stigma)، التي تسهم في انتشار المرض الخطير، حين يكون أحدنا حاملا للمرض ولا يريد الإفصاح عن حقيقة ما هو عليه، خوفا من العار، إذ التصق في مفهوم الغالبية أن وراء المرض علاقات جنسية محرمة، أو تعاطي مخدرات، وفي ظل المجتمعات المحافظة يخجل هؤلاء عن أن يصرحوا بحقيقة أحوالهم، وحولهم مَن هم على اتصال بهم وقد ينقلون المرض منهم، ولهذا كان هذا اللقاء أنْ كيف يمكن أن نصل إلى حلول عملية لتجاوز هذه المخاطر.
شارك في اللقاء أكاديميون ومتخصصون وأطباء وممثلون عن الدين الإسلامي ومنظمات المجتمع المدني وناشطون من جهات مختلفة وبلاد مختلفة، من المغرب والجزائر وتونس ومصر والسودان والصومال والأردن والسعودية وإيران وتركيا وكازخستان وأفغانستان وغيرها، فيعتقد المنظمون أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيها نسبة من الحاملين للمرض، وهي مجتمعات محافظة قد يؤدي السكوت عن التبليغ عن المرض لأي سبب إلى انتشاره، بينما في مجتمعات أخرى رغم انتشاره إلا أنه تمت السيطرة عليه، في جنوب أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوروبا وأميركا.
هكذا يقولون بعد السماع والحوار معهم، وفي جولة على شبكة الإنترنت وجدت أن المصابين بالمرض في العالم هم خمسة وثلاثون مليونا، خمسة ملايين منهم في جنوب أفريقيا وحدها، وحوالي خمسة عشر مليونا جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، أي في الدول غير العربية، وربما غير الإسلامية أيضا، في أفريقيا. أما باقي الأرقام فتتوزع على العالم بما فيه أميركا نفسها وأوروبا، إضافة إلى شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية.
ولدى السؤال عن مفهوم السيطرة على المرض تبين أنهم يقصدون الثقافة الجنسية عند ممارستها، والثقافة الصحية عند تناول المخدرات، والاحتياطات العامة حول المرض.
إذا أحسنا الظن بهذه النشاطات، فهي تتحرك من أجل الإبقاء على مفهوم الحرية الشخصية، ولكن مع محاذير وإرشادات ينبغي مراعاتها، بالذات في العلاقة الجنسية، أو حين تعاطي المخدرات!! وللأسف فإن المنظمين يختارون في الغالب بيئة تحررية ويستضيفون من المجتمع المحلي ناشطين في مجال الحريات، فكان هناك عدد لا بأس به منهم في هذا اللقاء الذي انعقد على مدار يومين.
حين كانت مداخلتي طُلب مني الحديث عن الدين وتأثيره في هؤلاء الذين يخجلون من الإفصاح عن واقعهم المرضي، وكيف يسهم أهل الدين في إزالة الحواجز النفسية ويعيش الإنسان بكرامة وبلا تمييز في مجتمعه. الأمر يبدو في ظاهره حضاريا إن أحسنا الظن، ولا شك أننا نميز بين أمرين في هذا الصدد: ما قبل الإصابة بالمرض من قيم وإرشادات إيمانية وروحية وتشريعية، وما بعد وقوع المرض حيث أمامنا ضحية بغض النظر عن سبب تورطها في هذا الشأن الخطير، رعاية ورحمة، وبعضهم قد يكون بريئا أصيب عن طريق نقل دم ملوث، وغير ذلك.
المشكلة المستقرة في أذهان المتحررين وغير المتدينين أن حرية الإنسان لا ينبغي أن تتأثر، فهم يريدون وقاية من المرض، وفي الوقت نفسه يسمحون بالعلاقة الجنسية وتناول المخدرات، فالعلاقة الجنسية مثلا يستخدم لها الواقي، أما عن طبيعة العلاقة فلا شأن لهم بها، وكذا العقاقير، فالمهم الاستخدام الصحيح للإبر أو كمية المادة! فأي مجتمع محافظ عموما، فضلا عن أن يكون إسلاميا يقبل بهذه الأمور!؟
تحدثت عن أن النشاط مركَّز على معالجة العَرَض لا المرض، وأننا نُتعب أنفسنا في علاج النتائج لا المسبِّبات، ولن نستحي من ديننا، وهو شأن الديانات كلها، أن أي علاقة جنسية خارج إطار الزواج الصحيح فهي محرمة، سواء باستخدام الواقي أو بدونه، وكذلك العلاقة بين المثليين، فكلها محرمة، وأنا أعلم أن هذا الكلام لا يعجبهم، ولكن ينبغي أن يسمعوه، وضربت لهم مثلا أنْ لو كانت هناك سفينة، وحدث فيها خرق، وبدأ الماء يملأ السفينة، فما الحل؟ هل هو بتفريغ الماء أم بسد الخرق؟ فدور مثل هذه المنظمات هو تفريغ الماء والإبقاء على الخرق مفتوحا، بينما دور الدين والقيم عموما هو بسد هذا الخرق والإبقاء عليه مغلقا، حتى ينجو الجميع. ولا بد أن أذكر هنا أنني عندما ضربت هذا المثل قاطعتني امرأة كبيرة من المتحررات وأجابت عندما قلت ماذا نفعل إن اندفع الماء إلى السفينة، فقالت: نسبح فيه! فقلت لها: وإن لم يعرف أحدنا السباحة!؟ فيبدو أن أمثال هؤلاء يريدون السباحة والاستمتاع إلى حين أن يغرق الجميع.
صلى الله على نبينا محمد حين شبّه المجتمع كله بركاب سفينة، بعضهم في أعلاها، وبعضهم في أسفلها، وكلما أراد الذين في أسفلها أن يشربوا الماء مروا على الذين في أعلاها، ففكروا ببراءة أنْ لو خرقوا في جهتهم خرقا فشربوا ولم يؤذوا الذين في الأعلى، فقال عليه الصلاة والسلام: فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم (أي منعوهم) نجوا جميعا، وهذا تشبيه في أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الحرية ينبغي أن لا تتعارض مع حقوق الآخرين.
الإسلام يعزز الحرية، بل إن مبادئه وتشريعاته كلها مؤسِّسة ومراعية لحرية الإنسان وكرامته، ولكنها حرية مقيدة بحرية الآخرين ومصالح المجتمع بشكل عام، ولا تعارض بين الأمرين، حتى هؤلاء يفهمون وجود قوانين تحد من حرية الإنسان مطلقا في ميادين الحياة، ولكنهم عند هذا الشأن بالذات نراهم يبالغون، ويخالفون الفطرة السليمة، وهو الذي يجعلنا نضع علامات استفهام كبيرة حول نشاطاتهم.
الوعي والحذر مطلوبان، وما حرم الله شيئا إلا وفيه ضرر، والسعادة الحقيقية هي في اتباع منهجه سبحانه، ولا يعارض الإسلام الحرية أبدا، إنما يرشِّدها ويكيِّفها لتتلاءم مع حرية الآخرين ومصالحهم.

التعليق