محمد أبو رمان

المشايخ الكرام..

تم نشره في الجمعة 9 شباط / فبراير 2018. 01:09 صباحاً

راقبت شيئاً من النقاش والجدل في بعض أوساط أساتذة الشريعة والمشايخ عن بعض المقالات التي نُشرت في صفحة فكر وأديان، بعد أن تمّ إعادة هيكلة الصفحة، واستكتاب نخبة من أساتذة الشريعة والمهتمين، بخاصة مقالات د. محمد الشريفين، أستاذ الحديث في جامعة آل البيت.
بالتأكيد من حقّ الجميع الاختلاف والنقد لما يُنشر، لكن ضمن حدود أخلاقيات  الحوار، والاعتراف بحق الاختلاف والمحاجّة بالبراهين والأدلّة (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، لكن بعض ما قرأتُ يخرج تماماً عن ذلك، ومن أساتذة في الشريعة يفترض بهم (قبل غيرهم) أن يعلّموا طلابنا في الجامعات وكليات الشريعة أدب الاختلاف واحترام الرأي الآخر، كما قال الشافعي "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وهذه الجملة هي بمثابة مفتاح ذهبي من الضروري تكريسه في نقاشاتنا وحواراتنا. أمّا الاتهام وفي بعض الأحيان الشتيمة، وتدشين حملات لمجرد اجتهاد علمي، فذلك وكأنّه تأكيد لمخاوف التيارات الأخرى من وجود اتجاه ديني لا يؤمن بالحوار، ويقصي الآخر، حتى لو كان من دائرة العلم الشرعي، فكيف هي الحال بمن يحملون أفكاراً وأيديولوجيا أخرى!
الهدف من المقال ليس الدفاع عن د. الشريفين، ولا عن اجتهاده فيما يخص الفرقة الناجية (وإن كنتُ بالمناسبة قرأت وسمعت من أساتذة متخصصين سابقاً رأياً مماثلاً تماماً في صحّة هذا الحديث وأثره على التراث الإسلامي وعلاقة الفرق الإسلامية ببعضها)، لكن قُدّر لي الإطلاع على آراء ضد الرجل بطريق الصدفة، فصُدمت لأنّ فيها شططا في الموقف والعداء، باستثناء بعض الأساتذة الذين ناقشوا قوله بالدليل والرأي، واحترمتُ موقف د. عصر النصر، الذي كتب ردّاً في الصفحة على مقالة د. الشريفين، ولم يذهب إلى التجريح والاتهام وتدشين حملات التشهير واغتيال الشخصية!
إنّما هدفي من هذا المقال - بوضوح شديد- بعث رسالة إلى أساتذة الشريعة والمشايخ بضرورة تغيير مقاربتهم لوظيفتهم ودورهم وصورتهم في المجتمع، فهم يُخرّجون أجيالاً من المتخصصين في الشريعة وعلوم الدين، وعليهم مسؤولية تعليم الطلاب احترام حق الإنسان في التعبير والرأي والقبول بالتعددية، ونحن نرى القتل والتكفير على خلفية الهويات الطائفية والمذهبية منتشرة حولنا تضرب السلم الأهلي في المجتمعات وتمزّقها وتغرقها في أوحال من الفتنة والضغينة والحقد الداخلي!
الشطر الثاني من الرسالة يتمثّل بضرورة قيام العلماء وأساتذة الشريعة بالمهمة المطلوبة منهم في التنوير الديني والفكري ونشر قيم الاعتدال والتسامح والتعددية الدينية والمذهبية والفقهية والفكرية، والانفتاح على الاجتهاد الفقهي وعلى روح العصر، وليس العكس، فالانقباض والتقوقع والتحويط على "الهوية الإسلامية" وكأنّ حمايتها تتم بتجميدها وتكبيلها بمواقف فقهية وفكرية جامدة تراثية، تجاوزها المجتمع والناس! ذلك غير صحيح لأنّ الهوية الإسلامية المتطوّرة المعولمة هي القادرة على إقناع المجتمع وجيل الشباب الجديد، ومواجهة الخيارات المتطرفة والمتشددة!
الشطر الثالث من الرسالة يتمثّل بالانفتاح على الإعلام، فهو سلاح مهم، وبدلاً من معاداته ومواجهته، ومحاولة منع آراء واجتهادات أخرى، فإنّ المطلوب أن تقولوا رأيكم وتقدموا مواقفكم وتشتبكوا مع الآراء الأخرى، لأنّه من السهل عليكم الجلوس في غرف مغلقة ولوم الإعلام وهذا المثقف أو ذاك المفكر، لكن التحدي الحقيقي لكم أن تقدّموا آراءكم في الإعلام وتدافعوا عنها، وتتحمّلوا بدوركم النقد الذي توجّهونه للآخرين!
ما يطرحه د. الشريفين، وما سيطرحه زملاؤه لاحقاً، هي اجتهادات مهمة وحريّ مناقشتها والتفاعل معها، لأنّ شؤون الدين والعلم الشرعي لم تعد اليوم حقلاً خاصاً، بل هنالك شريحة اجتماعية عريضة تريد أن تفهم الدين وتسأل عن الفتوى الشرعية، وبالتالي هي مسائل تخصّنا جميعاً، وتستحق فعلاً النقاش والحوار العقلاني الهادئ.

التعليق