"إنسان دافوس" يتملق ترامب

تم نشره في الأحد 11 شباط / فبراير 2018. 12:00 صباحاً

آنا بلاسيو*

مدريد- عامان من الارتباك مر بهما "إنسان دافوس" -وهو الوصف الذي يُطلق على أعضاء نخبة النخبة في العالم الذين يتجمعون كل عام للمشاركة في المؤتمر الرائد الذي ينظمه المنتدى الاقتصادي العالمي بهدف بحث التحديات التي يواجهها العالم. فبعد عقود من الابتهاج والاحتفال بالقبول العالمي الواسع للنظام العالمي الليبرالي القائم على القواعد، وجد متعهدو هذا النظام -والمستفيدون الرئيسيون منه في بعض الحالات- أنفسهم مضطرين للدفاع عنه وحمايته من هجمات الكبار، وأبرزهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولكن، بدلاً من المواجهة، بدوا خاضعين ومستسلمين.
في العام الماضي، سيطرت حالة من الاضطراب على المشاركين في دافوس ترقباً لتنصيب ترامب الذي تزامن مع اليوم الأخير من اجتماعات المنتدى. وصار وشيكاً حينها أن تخضع الولايات المتحدة لقيادة رئيس يروج بصوت عال لشعار "أميركا أولاً" كهدف مستقبلي، ولذلك بحثوا بلهفة عن بطل جديد للعولمة. وما إن استقرت أنظارهم على الرئيس الصيني شي جين بينغ، حتى برزت بوادر الشقاق الأولى في التزامهم بتقديم الأفكار والقيم على النفعية والمصالح الخاصة.
في عامنا هذا -الذي يشهد أول مشاركة فعلية لترامب في دافوس- نجد أن السد قد انهار. فحتى قبل أن يبدأ الحدث، كان بإمكانك أن تسمع تبريرات لسلوك ترامب الذي كان يُعد مدمراً في السابق، ومناهجه قصيرة النظر في التعامل مع قضايا مثل التجارة، إضافة إلى اندفاعاته الشعبوية. وتراهم يقولون إن رئاسة ترامب ليست مجنونة، وإنما براغماتية.
ثم ازداد هذا الشعور قوة بعد الخطاب الذي ألقاه ترامب في دافوس، والذي أكد فيه أن شعار "أميركا أولاً لا يعني أميركا فقط". وبعد عام من التخبط والتساؤل عن مصير العولمة المستأنسة وأفكار الليبرالية الجديدة الأليفة، وجد أهل دافوس ضالتهم في دليل جديد يهتدون به، هو البراغماتية. ولا ينبغي لنا أن نفرح بذلك.
لا شك أن البراغماتية في الأساس ليست شيئاً سيئاً. فالأوروبيون أمثالي يدركون جيداً مخاطر صناعة السياسات على أساس غير كاف من البراغماتية. لكن نظاماً قائماً على البراغماتية وحدها -حيث تبرر الغايات الوسائل ولا تعني القيم شيئاً- لا يمكن أن يكون نظاماً قوياً أو مستقراً.
يشكل التعاطي مع العلاقات الدولية على أساس من البراغماتية البحتة نهجاً تجارياً بدرجة كبيرة، مع سعي الدول إلى إنشاء شراكات وقتية وعارضة قائمة على المصالح، والتي يكون للطرف الأقوى فيها نفوذ كبير إجباري. ولا يصلح هذا النهج لدعم ذلك النوع من الاستقرار طويل الأجل المطلوب لتعزيز السلام والرخاء -وهي أهداف يهتم الجميع بشدة بتحقيقها، لا سيما نُخب دافوس.
أما عن ترامب، فليس من الواضح حتى أنه يتبع نهجاً براغماتياً في المقام الأول. وهناك بالتأكيد من يقول إن تبجحه البادي على المسرح الدولي هو أسلوب رجل أعمال يسعى إلى تقوية موقفه التفاوضي، حتى يستطيع ترويض وتنظيم أعضاء المجتمع الدولي المتمردين الذين دأبوا على تحصيل منافع من دون مقابل. ويرى أصحاب هذه النظرة أن ترامب ينفذ نوعاً من التعديل الهادف إلى تحقيق السيادة، بعد فترة طويلة من التجاوز الدولي، ويطالبنا هؤلاء بأن نحكم عليه من أفعاله وليس أقواله.
فلننظر إلى أعماله إذن. على الرغم من كل المكاسب التي حققها مؤشر داو جونز الصناعي خلال العام الأول من ولايته (وهي استمرار لصعود بدأ في عهد الرئيس باراك أوباما)، فإن تصرفات ترامب حتى الآن جاءت مشوشة قطعاً.
كما أتاحت انفعالاته الغاضبة الهوجاء الفرصة لديكتاتور كوريا الشمالية، كيم جونج أون، بأن يقدم نفسه عملياً كصانع سلام مقارنة بترامب -وهو تطور قد يفتح الطريق أمام هذا النظام شديد الخطورة للاحتفاظ بترسانته النووية لفترة أطول في المستقبل. كما تملق ترامب حكومة إسرائيل بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولتها، متعهداً بنقل السفارة الأميركية إلى القدس العام المقبل، من دون حصوله على تنازل واحد في المقابل.
ولا يعد سجل ترامب في مجال التعددية الاقتصادية أفضل حالاً. فعندما انسحب من الشراكة الاقتصادية عبر المحيط الهادئ، والتي وصفها بأنها "صفقة خاسرة" لأميركا، ادعى أن بإمكانه إبرام صفقات أفضل مع كل طرف على حدة. لكن الأطراف الأخرى مضت قدُماً بدلاً من ذلك من دون الولايات المتحدة. والآن، وبدلاً من تقوية موقفها في مواجهة الصين، تكتفي الولايات المتحدة بمشاهدة الصين وهي تتحرك لملء الفراغ الذي خلفه ترامب في آسيا.
كما تسرع ترامب بالمثل بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ قبل أن يغتنم الفرصة للمشاركة في صياغة قواعده، بما في ذلك القواعد المتعلقة بالتعريفات الجمركية على الألواح الشمسية التي كانت لتخدم المصالح الأميركية. وبالتالي ستعاني صناعة الطاقة الشمسية، التي يعمل فيها أكثر من 250 ألف أميركي، بينما يواصل ترامب محاولاته العبثية لإنعاش صناعة الفحم التي يقل عدد العاملين فيها عن 55 ألف شخص. وعلى أحسن تقدير، يمكن وصف ما يفعله ترامب بأنه سياسة، لكنه ليس بالتأكيد براغماتية.
قد يجادل المدافعون عن ترامب ويتهموننا بتتبع تصرفاته الخاطئة، فقد نفذ -على سبيل المثال- وعده بشأن خفض معدل الضرائب المفروضة على الشركات في الولايات المتحدة، لكنها خطوة أضافت مزيداً من الوقود على سوق الأوراق المالية التي ارتفعت على عنان السماء.
حتى لو اعتبرنا هذه التطورات دليلاً على براغماتية معينة، فإن التبني المفاجئ للترامبية يحمل في طياته مخاطر أكبر، لأن أي نظام مستقر يتطلب المؤازرة والثقة. وحتى لو لم يبد الواقع في أي وقت مثالياً، فإن السعي إلى تحقيق الوضع المثالي يفيد كمحرك قوي، حيث يربط الفاعلين المتشعبين من خلال هدف مشترك -أي هدف من شأنه أن يخدم مصالح الجميع.
المتملقون في دافوس، بخيانتهم بهذه السهولة للقيم التي طالما شكلت أساس النظام العالمي الليبرالي القائم على القواعد -مثل قيم التعددية والديمقراطية وحكم القانون- إنما يثبتون بطلان النظام بأكمله. ولا يعتبر ذلك تصحيحاً، بل تدميراً، وسوف يلحق الضرر بنا جميعاً. وعلى أي حال، يظل النظام العالمي الليبرالي، رغم حاجته المؤكدة للإصلاح حتى يتسنى له الوفاء بالمزيد مما وعد به، هو أملنا الأفضل.
هناك من القادة من يعترف بذلك، ومن أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي خصص خطابه في دافوس للمطالبة "بعقد عالمي حقيقي". لكن ماكرون لن يستطيع فعل ذلك بمفرده؛ إذ يجب على كل من يؤمنون بأن بناء عالم أفضل لن يكون إلا من خلال التعاون والتآزر أن يرفعوا أصواتهم، على أن يكون في صدارتهم أكبر المنتفعين من نظام عالمي يعمل ويؤدي وظيفته. وأنا أخاطبكم يا أهل دافوس.

*وزيرة سابقة للخارجية الإسبانية، ونائبة سابقة لرئيس البنك الدولي، وعضو في مجلس الدولة الإسباني. وهي أستاذ زائر في جامعة جورجتاون.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق