"بسك تجي حارتنا"

تم نشره في الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2018. 01:06 صباحاً

كلمات الأغنية  التي أدتها سميرة توفيق قبل عقود "بسك تجي حارتنا....وتتلفت حوالينا.." تعبر بوضوح عن ما يدور في  ذهن الكثير من سكان الأحياء المجاورة للجامعة الاردنية الذين تحولت شوارعهم وكراجاتهم ومداخل بيوتهم مواقف لطلبة الجامعة ومراجعي المستشفى والمراكز الصحية المجاورة. فعند الساعة التاسعة صباحا تتحول هذه الاحياء الى غابة من السيارات التي يركنها اصحابها على جوانب شوارع الاحياء الضيقة وأرصفتها حتى أنهم لا يتركون فسحة أو زاوية إلا ويشغلونها دون اي اعتبار لحركة الساكنين وحاجاتهم أو مبعث للتدخل من قبل الجهات المعنية بالتخطيط والتنظيم والضبط المروري.
   دخول مئات السيارات الى هذه الاحياء واستمرار تجوالها في الشوارع الضيقة بحثا عن فسحة للوقوف أو انتظارا لشغور مواقف يجعل حركة الاهالي وتنقلهم من وإلى الأحياء أمرا في غاية الصعوبة. بين الساعة التاسعة والعاشرة صباحا يمكن ان تحتاج الى عشرين دقيقة للخروج من شارع لا يزيد طوله على 500 متر بسبب عدد السيارات المصطفة على الجانبين وبانتظار القادم من الجهة الأخرى. 
الفوضى التنظيمية في هذه الاحياء شجّعت بعض اصحاب باصات النقل القادمة من المحافظات والبلدات المجاورة لعمان لاستخدام هذه الشوارع  كمسارات بديلة او مواقف لانتظار الركاب دون رقابة او ملاحقة من الأجهزة المخولة بالتنظيم والضبط المروري.
  العديد من السكان تواصلوا مع سلطات المرور والامانة وتلقوا وعودا بإيجاد حلول دون فائدة. البعض لا يقدر او يستوعب حجم تأثير هذه المنغصات على شعور ونوعية حياة من  يعانون من هذه المشكلات.
تأخر الاستجابة أو المماطلة في اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة يضعف ثقة المواطن بقدرة الدولة وعدالتها وحزمها ويشجعه على المخالفة والإهمال لمسؤولياته العامة في الرقابة والإبلاغ، كما يقتل الحس والرغبة في المبادرة والإبداع.
 المهام والواجبات الموكلة إلى إدارات ومجالس ولجان المدن لا تتوقف عند الاشراف على توفير خدمات المياه والكهرباء وجمع وتصريف القمامة وجباية الرسوم وضبط مخالفات البناء والصحة والتراخيص بل تتعداها الى شمول كل ما يوفر الراحة والسكينة والطمأنينة والرفاه للسكان بما في ذلك أعمال التنظيم بمعناه الواسع والشامل.
علاقة الانسان بالبيئة وتنظيم المكان لاستيعاب نشاطات الساكنين شرط أساسي لوجود علاقة ايجابية ذات معنى بين الإنسان والمحيط وبغير ذلك يمكن ان يسهم الإهمال وسوء التخطيط وضعف الادارة الى توليد سلسلة من المشكلات ليس اقلها ارتكاب الجرائم ومعاداة المجتمع والخروج على المعايير والقيم التي تحكم سلوك الافراد والجماعات.
  ينبغي ان لا يغيب عن بال الجميع ان العلاقة التعاقدية بين الفرد والدولة تقوم على امتثال الافراد للقوانين ودفع الضرائب مقابل توفير الامن والحماية والخدمات التي تليق بكرامة الانسان وتحترم حقوقه. التقصير الذي قد يحدث في جانب الخدمات من حيث توفرها وتيسيرها وجودتها قد يكون عاملا مهما في  ظهور  التهرب والاحتجاج والتمرد والعصيان.
الكفاءة التي يمكن أن تظهرها الحكومات والمجالس المنتخبة والمعينة لا تأتي من الإفراط في الوعود او تطبيق برامج علاقات عامة بل تتحقق من خلال الحرص على إدامة خدمات نوعية وتوفير بيئة خالية من المنغصات تشعر المواطن بالكرامة والاحترام وتوازي حجم الأعباء والضرائب والالتزامات التي يؤديها المواطن للدولة.

التعليق