صورة الطائرة المحطمة انتصار أغلى من الذهب

تم نشره في الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

هآرتس

  حيمي شليف

في ساحة القتال العسكري يوجد لإسرائيل تفوق كامل. ولكن في الحرب الإعلامية هي في هبوط، وليس من الآن. طائرات سلاح الجو وصواريخه أصابت المنشآت الإيرانية ودمرت نظام مضادات الطائرات السوري، لكن نجاح العملية وثق بكاميرات بالاسود والابيض لوسيلة التدمير نفسها. بقايا طائرة اف 16 لسلاح الجو الإسرائيلي التي سقطت قرب كيبوتس هار دوف، في المقابل، صورت على مدى ساعات كثيرة عن قرب وبصورة دقيقة، لهذا ظهرت وكأنها هزيمة إسرائيلية واضحة. في الحروب الدعائية وفي الصراع حول الرواية، فإن الصورة تخلق الوعي.
أهداف الهجوم الإسرائيلي مخفية خلف ستار حديدي  لدولة ديكتاتورية غير متقدمة مثل سورية، في حين أن إسرائيل غنية بالتكنولوجيا ومفتوحة على التغطية التلفزيونية. البث المباشر والمتواصل من الميدان لرجال سلاح الجو، وهم يلبسون الملابس البيضاء ويضعون الكمامات وينقبون في بقايا الطائرة مثل رجال الدين الذين يبحثون عن قطع الأشلاء بعد عملية ارهابية، وفر لسورية وإيران صورة انتصار أغلى من الذهب. فقط بعد مرور بضع ساعات استيقظ الجيش وأمر بابعاد الكاميرات، لكن التسجيلات لم يكن بالامكان مسحها ولا اضرارها السيئة أيضا على إسرائيل.
اهمية الصورة تذهب ابعد من الصراع على الرأي العام ومحاولة إيران وأتباعها لخلق مظهر من مظاهر الانتصار. الدعاية في هذه الحالة تنزلق مرة اخرى إلى ساحة المعركة. الطائرات القتالية المتطورة والقاتلة لإسرائيل تشكل التعبير الاعلى للتفوق العسكري. صورة الطائرة التي اسقطت تمكن رؤساء إيران وسورية من تقليص حجم الخسائر التي تكبدوها. هي ترفع المعنويات في دمشق وتعطي سببا للاحتفال في بيروت. بهذا فهي تمس بالردع الذي ارادت إسرائيل خلقه بواسطة القصف المكثف خلف خطوط العدو. لقد قلصت احتمال أن يوم الحرب الاستثنائي الذي شل أمس الجيش الإسرائيلي وألقى بالظلال على الحدود الشمالية، سيكون اليوم الاخير، حتى في الفترة القريبة.
معرفة أن اسقاط الطائرة يمس بالهدف، سوية مع الرغبة الانسانية بالانتقام، بالتأكيد ساهمت في زيادة الدافعية الإسرائيلية للرد بقوة على سورية وإيران. من جهة اخرى، اسقاط الطائرة أيضا يكسر الشعور بالحصانة التي تمتعت بها إسرائيل في السنوات الاخيرة في سماء سورية. هذا الاسقاط يجسد للقادة السياسيين والعسكريين بأنه ليس هناك وجبات بالمجان، وليس هناك صراعات بدون عثرات، ونتيجة لذلك أيضا ضحايا. وهي تمثل كيف أنه حتى الخطة العسكرية الاكثر لمعانا والتنفيذ الاكثر حرصا، تخضع للصدفة والمصير، وتخلق بالضرورة تداعيات خطيرة وغير متوقعة. الأمر يتعلق بذكرى مهمة لمن يبني على أن إسرائيل تعرف دائما كيف لا تخترق الحدود التي تجبر حزب الله على استخدام سلاح مدمر وتحرير ترسانة الصواريخ الكبيرة الموجودة لديه.
امكانية الردع لدى حزب الله أكثر من الخوف من القدرة العسكرية المحدودة جدا لإيران أو سورية، هي التي تحث إسرائيل كي تضيف إلى عملياتها العسكرية أيضا طلبات متكررة لروسيا بأن تضع نهاية لسياسة اختراق إيران التدريجي لقطاعها الشمالي.
المشكلة هي أنه رغم لقاءات رئيس الحكومة نتنياهو، المتكررة وحتى الحميمية، مع الرئيس بوتين، إلا أن موسكو لا يعنيها اسكات هذا القطاع – مثلما ليس لها أي شأن في اشتعال كبير يمكن أن يسحب الاوراق الجيدة الموجودة في أيديها. من الافضل لروسيا توتر دائم مع اشتعالات بين الفينة والاخرى، تضعها في كل مرة من جديد كعنصر لا يمكن الاستغناء عنه. الهجوم الصاروخي السوري ضد طائرات سلاح الجو الإسرائيلي أمس، بالتأكيد تم بمعرفتها، إن لم يكن بضوء اخضر من ولي أمر الرئيس الأسد مع حق الفيتو بدون شك، على المغامرات العسكرية الخطيرة. مكانة الولايات المتحدة أقل وضوحا بكثير، كنتيجة لعقد رئيسها. من جانب الولايات المتحدة نقلت إلى روسيا السيطرة الفعلية في سورية دون أن يرف لها جفن، ومن جهة اخرى، قوات أميركية في شمال شرق سورية تدخل في مواجهة متصاعدة مع مليشيات مؤيدة للأسد. لا أحد يعرف أن يقدر بصورة صحيحة كيف سيرد الرئيس ترامب، هذا إذا رد، ولا أحد يعرف أن اعتباراته ودوافعه غير مرتبطة بهذه الصورة أو تلك بالتحقيق الفيدرالي الذي يجري ضده بتهمة أنه مدين بمنصبه لبوتين نفسه.
إن ما يعيدنا لنتنياهو هو أن خطواته يتم فحصها الآن تحت مجهر توصيات الشرطة والتي ستنشر قريبا وتوصي بتقديمه للمحاكمة. نتنياهو، كما ذكرت أمس زهافا غلئون، غير معروف كمغامر عسكري، لذلك فهو غير متهم بمحاولة "التلويح بالكلب" على اسم الفيلم الذي وصف حربا مصطنعة في البانيا هدفت إلى مساعدة الرئيس في قضايا تحرش جنسي، رغم أن هذا يبدو غريبا، تهدد احتمال اعادة انتخابه. صور الطائرة التي تم اسقاطها قرب كيبوتس هار دوف هي أيضا تذكرة لنتنياهو، ليس لأنه بحاجة اليها، بل لأن عثرات في ساحة الحرب يمكن أن تدمر مستقبل رؤساء حكومة، كما حدث مع رؤساء حكومات إسرائيلية من إيهود اولمرت ومرورا بمناحيم بيغين وانتهاء بغولدا مئير.
نتنياهو ليس بحاجة إلى حرب شاملة من اجل استغلال التوتر في الشمال لصالحه. هو يفترض، وربما بحق، أنه عندما ينظر الجمهور إلى لوحة الشطرنج متعددة الابعاد في الشمال، والتي خطأ واحد يمكن أن يقلبها إلى حقل الغام قاتل، سيفضل نتنياهو المجرب حتى لو ارتكب جريمة على ورثته الطاهرين ولكن الاغراب.

التعليق