تشخيص الواقع من أجل التغيير

تم نشره في الثلاثاء 13 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

العين هيفاء نجار *
 
بالإشارة إلى مقال الأستاذ فهد الخيطان المنشور في جريد الغد الاثنين 5 شباط (فبراير) 2018، بعنوان "تشخيص يوجع القلب"، أسجل بداية أنني من متابعي مقالاته وأقدر عالياً تعقيبه على جلسة مؤتمر "أجندة الأردن: 2018" الذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وكونه لم يتمكن من حضور الجلسة، فإنني أود توضيح بعض النقاط التي تصب في مصلحة الأردن وعمل الحكومة.
إن تشخيص الواقع شرط مهم من شروط التغيير، والعودة إلى الماضي لا تكون من أجل الركون فيه، بل لفهم الحاضر. إننا نعيش نتاج مرحلة سابقة تضخمت فيها الدولة الريعية وعشعشت فيها الماضوية، ومورست خلالها أخطاء تراكمت مع المستقبل حتى غدت ككتلة الثلج، ولكني مع كل ذلك لست بصدد انتقاد تلك المرحلة والفرجة على نتائجها، إنما ما يشغلني حقيقة هو عدم السماح للشعور بالإحباط، والعمل بما تيسر لنا من إمكانيات من أجل استدامة الأمل وخلق نظام تربوي أردني نباهي به العالم.
إن حساسية المرحلة التي نمر بها تتطلب وضع أيدينا على مكامن الضعف ووجوه التقصير، وإعلاء صوتنا بالنقد وعدم الصمت، لأن الصمت في وجه من وجوهه قبول بما هو كائن. كما أننا أحوج ما نكون إلى تعزيز قصص النجاح والاحتفاء بها، ومساندة أصحاب المبادرات. 
الحق أقول إن هناك تقصيراً في جوانب كثيرة في حقل التربية والتعليم، ولكني لن أندب على هذه الحال، إنما علينا أن ننهض كما العنقاء، نزيل عنا طحلب البيرقراطية وغبار الشخصنة والمنافع الشخصية. لا بد من مضاعفة العمل لأن مرحلة التراجع امتدت طويلاً فراكمت أخطاء كثيرة، وهذه الأخطاء تتطلب من الجميع وقفة حازمة جادة لنتخطاها. ولكن برغم قتامة ما أقول إلا أن هناك مؤسسات أنجزت وما زالت تنجز، لأنها أخذت على عاتقها الإسهام في مشروع هذا الوطن وتعزيز نجاحاته، وأن هناك غيارى على مصلحة هذا الوطن علينا الوقوف معهم ودعمهم.
لقد أشرت في كثير من مقالاتي السابقة، وتحدثت في جلسات الحوار المختلفة أن بأيدينا قوة نستطيع من خلالها تحويل التحديات إلى فرص، وعلينا الاهتمام بالإنسان وتسليحه بما يجعله قادراً على التنافسية والإبداع والابتكار، ولكن قبل ذلك علينا أن نكرس مفهوم سيادة القانون، لكي يناضل المواطن الأردني من أجل حقوقه، وفي الوقت عينه يقوم بواجباته خير قيام. على طلبتنا أن يفكروا في مشاريعهم الإنتاجية منذ الآن ونحثهم على ذلك، ونشجع الإنتاج ونحارب بقوة الاستهلاك، لأننا نريدهم منتجين يقدرون قيمة الأشياء ومعانيها. إن ثقافة الاستهلاك والاستسهال هي آفة خطيرة تنخر المجتمع وتعمل على تفكيكه، ولذا علينا أن نحاربها بلا هوادة، لأن الدولة الأردنية لم تعد قادرة على أن تظل دولة ريعية.
أما برنامج العمل الذي على وزارة التربية والتعليم تطبيقه في العام 2018 وبدون أي تردد، هو الاستثمار بالبرامج والأنشطة المرافقة واللامنهجية، وتحويل المدارس خلال الإجازات المدرسية وبعد انتهاء الدوام المدرسي - وبالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص وكافة القطاعات المعنية الأخرى - إلى مراكز حوار مجتمعية ومسارح فنون تعبيرية بكافة أشكالها، والعمل على تعميق مفهوم أن ما يحركنا في التربية والتعليم هو "رسالتنا"، من خلال تدريب القيادات المدرسية وجميع التربويين على استعادة البعد القيمي للمدرسة واستعادة قيمة النماذج السلوكية الصالحة، والاستثمار في التكنولوجيا من خلال تعليم الطلبة التصميم والتخيل والبرمجة والريادة الاجتماعية والمسؤولية المجتمعية، وتحمل المسؤولية عن المستقبل الشخصي والجمعي ومستقبل الدولة. كما لا بد من إضافة مساق عن مفهوم المواطنة الصالحة والمشروع الوطني الأردني ومفهوم الدولة المنتجة وآليات التحول نحوها وبتكاملية مع كافة الأنشطة المذكورة سابقاً وغيرها الكثير. هذا بالإضافة إلى استمرارية العمل في تطوير المناهج ودعم مساعي اللجنة الوطنية لتطوير المناهج والاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، وأن يرافق تطوير المناهج تحسين البيئة المدرسية الآمنة وتدريب المعلمين ليصبحوا شغوفين مؤمنين بدورهم ومؤهلين فاعلين لا يألون جهداً في دعم طلبتهم نحو خلق التغيير والإبداع. وأن نؤسس لمنهاج يُعمِل عقلَ الطالب ولا يعتبره كشكولاً، منهاج لا يستبعد العقل والعاطفة والقيم والروح.
وها نحن نعمل في مدارسنا على تخريج الباحث والعالم والمبرمج والفنان والموسيقي والمبدع والكاتب والرياضي، ونعمل وبكل جد على تحويل مدارسنا إلى مراكز اجتماعية يتفاعل فيها الطلبة معاً ويتحاورون ويستمعون لبعضهم البعض، ويسمعون صوت وطنهم وجباله ووديانه وسهوله وصحاريه، ويتناقشون في احتياجاته.
إن هذه البيئة التعلمية يستحق فيها طلبتنا أفضل البرامج التعليمية وأفضل المعلمين، وعلينا أن نسعى بكل ما أوتينا من قوة على تغيير الواقع السائد وتحويل المدرسة من مدرسة تقليدية إلى مدرسة أمينة على تعلم طلبتها، وتعلم معلميها أيضاً، مدرسة متعلمة مدى الحياة، مدرسة تعتبر مشغلاً ومصنعاً ومرسماً ومسرحاً ومكتبةً ورحماً للإبداع والتميز، تعرفهم على محمود درويش، وهشام غرايبة، وحيدر محمود، ومؤنس الرزاز، وغيرهم. 
مدرسة تشجع على القراءة وتخصص كتاباً على الأقل لكل صف لقراءته ومناقشته ونقده وإعادة تأليفه وصياغته بما ينسجم مع خيال الطالب وأفكاره.
يجب علينا ألّا نبحث عن المعنى فحسب بل علينا أن نغوص لنستشف معنى المعنى، لنحلم ونتشارك أحلامنا معاً، ونرسم مستقبلنا وكأننا نراه بأعين قلوبنا. نعتمد على ذواتنا ونخلق من التحديات فرصاً للتحليق والإبداع. وسيظل الأمل يملؤنا بأننا قادرون على تغيير هذا الواقع بهمة الجميع والعمل معاً من أجل واقع أفضل للتعليم، لأنه اللبنة الأولى في التغيير الذي نرنو إليه، ولأنه مسؤولية مشتركة فعلى الجميع أن يسهم في تطوره ونمائه بعيداً عن الفرجة والنقد البعيد عن الموضوعية. وأخيراً أقول إنه مهما بدا للبعض بأن الواقع أسود قاتم إلا أن فيه نقاطاً بيضاً ستتمدد وتكبر لتجعل اللوحة زاهية.

* المديرة العامة لمدرستي الأهلية للبنات والمطران للبنين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تشخيص الواقع من اجل التغيير (Samia Aibef)

    الجمعة 16 شباط / فبراير 2018.
    جميلة هذه الوقفة يا سيدتي ... كم نحن بحاجة لمواجهة الذات وليس جلدها ... ان ثقافة التغيير وارادته هي من صفات القائد الملهم التي تحتاج الى ايمان جميع العناصر والأشخاص بحاجتنا الى التغيير ... آن الاوان لأن نلحق بركب الحضارة والبناء والإنتاج ... هناك العديد من الأمثلة من الدول المتفوقة على مستوى الاصعدة ذات الموارد الاقتصادية المحدودة ... إلاّ أنّ إرادة شعوبها كبيرة ... فقامت بخلق فرص الانتاج والابداع لمواطنيها ... لا ينقصنا الذكاء ... بل إرادة التغيير والشجاعة ... ويبقى الامل