شاهد عيان على اقتحام الاحتلال لمدينة نابلس

تم نشره في الأربعاء 14 شباط / فبراير 2018. 12:05 صباحاً

أتذكر أول اجتياح عسكري صهيوني كبير لمدينة نابلس البطلة خلال انتفاضة الأقصى، كانت أيام حكم رئيس الوزراء الصهيوني (شارون) في أوائل العام 2001. وكنت وقتها أؤدي صلاة الفجر، وإذا بالقصف الشديد للمدافع المدوية، وبالهدير الكبير لجحافل دبابات الميركابا الضخمة، مصحوبةً بأزيز الطائرات العسكرية النفاثة، التي بدأت تصب حممها الملتهبة فوق عدة مواقع داخل المدينة وعلى أطرافها المختلفة، وبخاصةٍ على الأزقة الضيقة للمدينة القديمة، مُدمرةً أحد معامل الصابون المشهورة فيها، مما أدى إلى حالاتٍ من الذُعر والخوف الشديدين بين السكان الآمنين. كنا نسمع صراخ المتواصل من هنا وهناك.
بدأت السيارات العسكرية التي تحمل مكبرات الصوت، بالتجوال المتواصل بين أحياء المدينة وشوارعها، مُعلنةً للسكان باللغة العربية الركيكة، بضرورة الالتزام بنظام منع التجول حتى إشعار آخر، وبضرورة عدم فتح الشبابيك، أو الظهور من فوق شُرُفات المنازل. وهذا ما حصل بالفعل في إحدى العمارات المجاورة، حيث ساقَ الفضول أحد الشبان الثلاثيني من العمر، والذي لم يفهم جيداً ما يُقال في السماعات، وقام بفتح أحد شبابيك منزلهِ للتأكد من تعليمات جيش الاحتلال، فما كان من أحد القناصة المجرمين، إلا أن سدد رصاصاته الغادرة إلى رأسهِ، حيث فارق الحياة على الفور، كي أسمع بعدها مباشرةً عويل النساء وصراخ أفراد العائلة بوضوح، نتيجة سقوط شاب لا ذنب له سوى أنه فتح شباك غرفته، كي ينال حُكم الإعدام المباشر مع سبق الإصرار والترصد، وبدون أي محاكمة.
 ومن القصص الحقيقية التي لن تُمحى من الذاكرة أبداً، أنه في إحدى ليالي الحصار الأسود لمدينة نابلس البطلة، وبينما كنتُ استيقظ  من النوم لأداء صلاة الفجر في حوالي الساعة الرابعة والنصف، وكنتُ قد بدأتُ بالوضوء داخل الشقة التي تقع في الطابق الثاني من عمارة مؤلفة من ست طبقات وأربعٍ وعشرين منزلاً، وإذا بصوتٍ خافتٍ ينبعثُ من البهو السفلي للعمارة، وقد ميزتُ منه صوت صديقنا (أبو العبد)، الذي يعيش في الطابق الأرضي. عندها قلتُ في نفسي ربما أنه يتحدث مع أحد قاطني العمارة، ثم زاد الصوتُ وضوحاً، وإذا بسبعةٍ من الجنود الصهاينة ومعهم ضابط قد فتشوا بيت أبو العبد وأجبروه على السير معهم كي يعرفوا منه أسماء رب كل أسرة في العمارة. وكنتُ من شدة فضولي أرغبُ في فتح الباب للتعرف إلى الأشخاص الذين يتحدث معهم السيد أبو العبد. ولكنني أحمد الله أنني لم أفعل ذلك، فبينما كنتُ أنظر من العدسة السحرية للباب، وإذا بالجنود المدججين بالسلاح يقتربون من باب شقتي.
 وكنت وأفراد أسرتي وقتها ننام في منطقة الموزع داخل الشقة وليس في غرف النوم، وذلك خشية الرصاص والقذائف التي ربما تتناثر أحياناً هنا وهناك، وبخاصةٍ عندما تسيطر التصرفات البربرية على أنماط سلوك الجنود الصهاينة، الذين يمرون بدباباتهم بجوار العمارة. وأسرعتُ فوراً لإيقاظ الزوجة والبنتين، اللتين كانتا تلتحقان بجامعة النجاح الوطنية، الصغرى في مرحلة البكالوريوس، والكبرى في مرحلة الماجستير. وأبلغتهما مع أمهما بأن جنود الاحتلال يقتربون من باب الشقة، حيث قمن بارتداء جلابيبهن، وما هي سوى دقائق معدودة حتى تمّ طرق الباب.
وما أن فتحته إلا وقد رأينا سبعة جنود ومعهم ثلاثة من الكلاب البوليسية الضخمة، يتقدمهم ضابط بادرني بالعربية الضعيفة قائلاً: أريد الهوية الفلسطينية، فتحدثتُ معه بالإنجليزية قائلاً بما معناه: أنا لا أحملها بل أحمل جواز السفر الأردني، لأنني قادمٌ للعمل في جامعة النجاح الوطنية باتفاقٍ مع اتحاد الجامعات العربية في عَمان، وهذه عائلتي معي، فطلب جوازات السفر فأخذ يقلبها صفحة تلو أخرى، ونظر إلى الحائط فوجد صور أبنائي الثلاثة، فقال أين هؤلاء الشباب، هل هم مع الإرهابيين، فقلت له إنهم خارج فلسطين، فالأكبر منهم يعمل في أميركا، والأوسط يعمل في سلطنة عُمان، والأصغر يعمل في مستشفى السلط  بالأردن. فطلبَ بعدها من الجنود تفتيش الشقة، وتمّ ذلك بطريقةٍ همجيةٍ جداً، حيث لم يبقَ أي شيء على ما هو عليه، كما فتحوا أبواب الخزائن وجراراتها كي يسمحوا للكلاب بشمها وإسالة اللعاب عليها.
 بعدها طلب من الجنود وضع الجنازير في يديّ وأخرجني من الشقة، مما جعل البنات يصرخن قائلات: ليس لدينا أقارب هنا، ومن سوف يرعانا بعدهُ، ثم صرخت البنت الكبرى في وجهه قائلة بالإنجليزية: سوف أتصل هاتفياً بالسفارة الأميركية فأنا أحمل الجنسية الأميركية وأخرجت جواز السفر الثاني، والذي كانت قد حصلت عليه لأنها ولدت وأنا أدرس بجامعة كانساس الأميركية خلال برنامج الدكتوراة، فما كان منه إلا أن قال بالحرف الواحد: هذا لا يهمنا أبداً، فنحن لا نخشى أميركا، بل نحن من يحكم أميركا. بعدها زاد هجوم ابنتي له قائلة: لماذا تعتقل أستاذاً جامعياً وعميداً لكلية التربية بلا سبب يا أدعياء الديمقراطية، ثم نظر إليها وقال لا توجد ديمقراطية أيام الحروب، فردت عليه قائلة: الظلم للبريء أيام الحروب أكثر شدةً من ظلم البريء أوقات السلام، فما كان منه إلا أن أمر الجنود بفك معصمي من الجنازير، وقال التزم شقتك ولا تتدخل بشيء لا يخصك، ثم انصرف هو وجنوده، وكان الفضل لله أولاً ولابنتي في إعادتي إلى المنزل، وإلا يعلم الله وحده، ماذا كان يمكن أن يحصل معي بعد ذلك.
 ومن القصص المرعبة الأخرى، أنه خلال اجتياحٍ آخر لمدينة نابلس، وبينما كنا نغط في نومٍ عميق نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، إذا بالسماعات يتم تسليطها على العمارة قائلين: على جميع سكان العمارة النزول خلال عشر دقائق إلى مدخلها وإلا اعتبروا إرهابيين، بدءأً بالنساء والأطفال أولاً لنقلهم إلى عمارة مجاورة، ثم ينزل الرجال ثانياً واحداً تلو الآخر. وكم كان الموقف مؤلماً، عندما ترى الأطفال يصرخون من هول الموقف، وبعض النساء ممن يقمن بلف أجسادهن بالبطانيات للسترة ولسرعة تلبية طلب النزول، ثم يُطلبُ من كل رجل أن يهبط درج العمارة المطل على المدخل منفرداً ورافعاً يديه، وما أن يقترب من المدخل، حتى يرى ثلاثة جنودٍ مصوبين بنادقهم عليه وهم في حالة الوقوف، وثلاثة آخرين مفترشين أرض المدخل ومصوبين الرشاشات على الجميع.
وما أن تُطلّ عليهم، حتى يصرخ أحد الجنود قائلاً: ارفع القميص إلى أعلى وقم بالدوران حول نفسك، كي يتأكدوا من عدم وجود حزام ناسفٍ حول البطن. وزيادة في الإذلال وانتهاك حقوق الإنسان، يأمرك بخفض البنطال إلى قدميك لإظهار عورة الرجل أمام الآخرين. وعندما جاء الدور عندي وطلب مني الجندي عمل المرحلة الأخيرة، قلتُ له بالإنجليزية بما معناه: كيف أفعل ذلك وأمامي نحو عشرين من طلاب الجامعة ممن يعرفونني وهم من سكان العمارة، فما كان من الجنود جميعاً إلا أن وضعوا الأسلحة في حال الرمي الحقيقي قائلين: إن لم تفعل سوف تموت، فاضطررتُ آسفاً ومتألماً من فعل ذلك. بعدها أخرجونا في عز برد الشتاء كي يصلبونا على الجدران، حتى يراجعوا معلومات الكمبيوتر الصغير لدى قائدهم، مما جعلهم يعتقلون خمسة من الطلبة، ثم انصرفوا في حوالي الساعة التاسعة صباحاً بعد ثماني ساعات من العذاب، كي يعود الجميع إلى شققهم، ليروا بأم أعينهم  أقذر أنواع التصرفات، حيث تمّ قلبها رأساً على عقب، ونهب ما وقعت إيديهم عليه من المال أو الذهب، لأنهم يعتبرونها غنائم حرب مشروعة حسب قوانينهم وأنظمتهم الإجرامية.

التعليق