المساءلة الطبية بين الواقع والأماني

تم نشره في الأربعاء 14 شباط / فبراير 2018. 12:05 صباحاً

د. محمد الحجيري

نور سيدة عمرها 35 عاماً، شعرت بألم في الصدر نتيجة شد عضلي بعد حملها لطفلها. راجعت طبيبها الذي نصح بقسطرة للقلب. القسطرة كانت طبيعية لكن نتج عنها تمزق للشريان التاجي، وجلطة في القلب.
= احتيال طبي بعملية غير مطلوبة نتج عنها مضاعفات.
اماني سيدة  عمرها 70 عاماً حصل معها جلطة في القدم، حاول طبيب الأشعة التداخلية في مستشفى خاص سحب الجلطة لكن لم ينجح، رفض ان يطلب مساعدة جراح الشرايين، وحاول علاجها بالأدوية نتج عنها بتر القدم.
= اهمال طبي نتيجة عدم طلب المساعدة عند الحاجة.
سامي طبيب رئة في مستشفى عام، يراجعه اكثر من 70 مريضاً في اليوم. بمعدل 5 دقائق فقط لكل مريض. أعطى الدواء الخطأ  نتج عنه فشل في الكلى
= خطأ طبي غير مقصود نتيجة نقص كوادر.
راشد رجل عمره 45 عاماً اصابته ذبحة صدرية، قام الطبيب بعمل قسطرة للقلب وسحب الجلطة من الشرايين. نتج عن القسطرة فشل كلوي شديد والحاجة للقيام بغسيل الكلى.
= عملية صائبة في المريض الصحيح لكن نتج عنها مضاعفات.
 هذه كلها قصص من الواقع، فالواقع الطبي في الاردن معقد. من مستشفيات طبية عالمية لأخرى لا ترقي للمستوى، ومن اطباء مرموقين يشهد لهم لآخرين دخلاء على الانسانية. ومن هنا يأتي قانون المساءلة.
انا كطبيب استشاري للقلب، اعمل في الولايات المتحدة منذ 15 سنة، حيث قانون المساءلة من اقسى القوانين في العالم ارى يومياً إيجابياته وسلبياته. فمثلاً نتج عن هذا القانون طب دفاعي يكلف اكثر من مليار ونصف المليار دولار سنوياً نتيجة فحوصات قد لا تكون مطلوبة، ودعاوى نتيجة طمع بعض المرضى بالمال. الاطباء مجبرون قانونياً بكتابة مفصلة عن كل مريض، ما اجبر بعض المستشفيات على تعيين مساعدي اطباء، وعدم إعطاء الطبيب اقل من ٢٠ دقيقة لكل مريض. الملايين تدفع سنوياً لشركات التأمين مما يجبر المستشفيات على رفع سنوي للتكاليف. لكن القانون ايضاً أعطى الكثير حقوقهم ممن بترت قدمهم الخطأ مثلاً، ومنع عمل المقيمين لأكثر من 24 ساعة متواصلة.
لكن هناك أمور مهمة يجب اخذها بالاعتبار قبل فرض قانون المساءلة:
يجب  تدريب الاطباء في الاردن على غرار اطباء الخارج على طرق التعامل مع المرضى، وكيفية تفادي حدوث اخطاء طبية. وإلزامهم بكتابة تاريخ مرضي مفصل عن كل مريض، مع الأخذ بالاعتبار الزمن الذي يحتاجه كل تاريخ مرضي. مما يعني زيادة الكادر الطبي.
عيادة الطبيب في القطاع الحكومي قد تصل لمئة مريض يومياً وهو عدد مهول. فيجب زيادة عدد الاخصائيين "ذوي الكفاءة" وتحديد حد أقصى من المرضى لكل طبيب يوميا.
الزام المستشفيات الخاصة والعامة في الاردن بالاعتمادية من مؤسسات غير ربحية والزامها بمواصفات عالمية حتى لا تخضع للمساءلة مثل JCI  و HCAC .
إعطاء مسمى الطبيب العام  فقط للحاصل على شهادة تدريب في طب الاسرة او الطب الباطني لمدة ثلاث سنوات. وهذا يعني رفع عدد مقاعد التخصصات وتدريب الاطباء العامين الحاليين لمواكبة التعليمات العالمية.
تعريف المرضى بحقوقهم وواجباتهم. فحق المريض ان يعرف عن مرضه بكل التفاصيل. وحقه ان يمضي الطبيب معه وقتاً كافياً للشرح عن حالته وعلاجها وفرصة المضاعفات لأي عملية. وهذا سيتطلب حملات تثقيف وتدريب للأطباء وخاصة بعض الجراحين.
تقوية دور النقابة في معاقبة كل طبيب يقوم باعمال لا انسانية او يمنع تحويل المرضى بقصد الجشع او يسئ استعمال العلاقة مع شركات الأدوية او يقوم بعمليات بدون حصوله على تدريب او الكذب عن المؤهلات. فالتخصص ليس مسمى يحصل عليه الطبيب  في "دورة اسبوع".
في المقابل معاقبة كل معتد على الطبيب او الممرض او المستشفى و إلغاء حجة "فورة الدم" وكأنها سبب مقنع لضرب الهيئة الطبية. وفتح خطوط تواصل للشكوى بطرق حضارية وقانونية
توعية المرضى بالفرق بين المضاعفات الطبية والأخطاء الطبية.
نعم، انا مع قانون مساءلة عادل للمريض وللطبيب بعد إقامة البنية التحتية القوية في النظام الطبي، فالنهوض بالقطاع الصحي ليس صعباً.

التعليق