السياسة الواقعية الأولمبية للرئيس مون جاي-إن

تم نشره في الأربعاء 14 شباط / فبراير 2018. 12:05 صباحاً
  • رئيسا وفديّ الكوريتين يتصافحان بعد الاتفاق على مشاركة الشمال في الألعاب الأولمبية التي تقام في الجنوب - (أرشيفية)

كريستوفر هِل*

سيول- كانت هذه بداية طيبة للرئيس الكوري الجنوبي، مون جيه أن، في السنة الجديدة. فهو لم يتمكن من التوسط في اتفاقي لإشراك كوريا الشمالية في الألعاب الأولمبية الشتوية في بيونغ شانغ فحسب، وإنما تمكن كذلك من إقناع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأن عمل ذلك كان في واقع الأمر فكرة ترامب نفسه.
وقد تمكن مون بانقلابه الأولمبي من التعامل مع خطر التهديد الكوري الشمالي للألعاب وتجنب أي رد فعل سلبي من الولايات المتحدة الأميركية. لكن من غير المرجح أن يؤدي الاتفاق الذي أبرمته الكوريتان في قرية بانومونيوم الحدودية في وقت سابق من هذا الشهر إلى استئناف محادثات نزع الأسلحة النووية.
عوضاً عن ذلك، ستقوم كوريا الشمالية عندما تنتهي الألعاب الأولمبية باستخدام هذا التطور الدبلوماسي الإيجابي لاستكشاف مجالات أخرى غير مرتبطة بالبرنامج النووي. وسوف يثير هذا التوجه بدوره مجموعة من القضايا المعتادة والشاقة بالنسبة للعلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
من المؤكد أن قرارات السنة الجديدة لم تكن الدافع وراء تحرك الزعيم الكوري الشمالي، كيم يونغ أون، بالدعوة إلى علاقات أفضل مع كوريا الجنوبية في الأول من كانون الثاني (يناير)، بل على العكس من ذلك، حيث تتوافق المناورة التي قام بها مع السياسة طويلة الأمد المتمثلة في محاولة إضعاف التحالف الأميركي-الكوري الجنوبي.
يرغب كيم من وراء محاولته تحسين العلاقات مع الجنوب إظهار أن الشمال يمكن أن يعيش بسلام مع جيرانه، حتى لو احتفظ بترسانة نووية. وبشكل عام، يسعى كيم إلى ترسيخ وضع كوريا الشمالية كقوة نووية يشار إليها بالبنان في أعين العالم.
ويأمل كيم أن يتمكن بتحقيق تلك الأهداف من دق إسفين بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وهو يعلم أن شعبية ترامب في كوريا الجنوبية هي أقل بكثير من شعبيتة المتدنية للغاية في الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك، يقوم باستغلال هذه الحقيقة من أجل تسهيل تحقيق هدفه بترسيخ وضعه النووي. وبطبيعة الحال، تبحث كوريا الشمالية دائماً عن فرص للتخفيف من وطأة العقوبات المفروضة عليها.
لقد قام مون بدوره بالتعامل مع "هجوم السلام" الذي شنه كيم بشكل جيد؛ حيث من المؤكد أن يحظى اللاعبون الأولمبيون والمشجعون من كوريا الشمالية بترحيب حماسي عندما يصلون بالقطار إلى الجنوب. كما ستهتف الجماهير مصفقة للرياضيين من البلدين عندما يدخلون الاستاد تحت الراية نفسها.
من المؤكد أن الكوريين الشماليين سيعتقدون أن دعوتهم للمشاركة في الألعاب لم تتم على الرغم من برنامجهم النووي، وإنما بسبب هذا البرنامج. وحسب هذه النظرة، يبدو أنه قد أصبح لدى كوريا الجنوبية احترام -أو خوف- مما أصبحت عليه كوريا الشمالية، علماً بأن المشاركة في الألعاب الأولمبية توحي بأن العزلة الدولية هي حقيقة مؤقتة من حقائق الحياة، وأنها ضريبة تدفعها كوريا الشمالية من أجل الحصول في نهاية المطاف على الاعتراف الكامل بوضعها كدولة نووية. وقد يعتقدون أن دولاً أخرى ستسارع في القريب العاجل إلى منح كوريا الشمالية مقعداً على الطاولة الدبلوماسية.
لكن مون أعلن صراحة أن حكومتة لن تغريها الروح الأولمبية، وإذا توقع قادة كوريا الشمالية أن المشاركة في الألعاب ستؤدي إلى الاعتراف بالوضع النووي لبلدهم، فإن انتظارهم سيطول. وهدف الجنوب هو استضافة ألعاب أولمبية ناجحة بعد سنة من الشكوك والمخاوف لدى الدول الأخرى من سلامة الوضع الأمني في كوريا الجنوبية، ومن أجل إرسال وفودها. وسوف تواجه كوريا الشمالية بعد انتهاء الألعاب شتاءً طويلاً من الإدانة والعزلة.
يعني هذا أن كوريا الشمالية ستكون مخطئة إذا افترضت أن كوريا الجنوبية ستتوسل إليها من أجل إعادة فتح مجمع كايسونج الصناعي، الذي شكل واحداً من الجهود التعاونية الطموحة بين الشمال والجنوب في حقبة الانفتاح بين سنتي 2003 و2009. ولم يظهر مون أي اهتمام بتلك المبادرات، فهو يدرك أن التنازلات الأحادية لن تحسن وضع كوريا الجنوبية مع القوى الإقليمية والدولية التي تتعامل مع السلوك الكوري الشمالي.
مثل السعوديين وغيرهم ممن سبقوه، يدرك مون أن الطريق إلى قلب ترامب يمر من خلال غروره. لكن عينه أيضاً إدارة جبهة أعرض من البلدان المشاركة في عقوبات قوية تاريخياً ضد دولة مكروهة وجديرة بالازدراء. وفي هذا الخصوص، فإن الاختبار الكبير الأول لمون سيأتي مباشرة بعد الألعاب الأولمبية، عندما تتخذ قيادة القوات المشتركة الأميركية-الكورية الجنوبية قرارها فيما يتعلق بخططها للتمارين العسكرية المستقبلية.
بطبيعة الحال، سوف تعترض كوريا الشمالية على تلك التمارين كما هي العادة، وربما ستعترض الصين وروسيا عليها كذلك، وربما تتهمان الولايات المتحدة الأميركية بتخريب التحسن في العلاقات بسبب المشاركة في الألعاب الأولمبية. ولكن، على الرغم من ذلك، سيكون أي تحالف عسكري من دون تمارين مثل الأروكسترا من دون آلات موسيقية. والأغلب أن مون يدرك ذلك جيداً، كما يدرك أن علاقة بلاده مع الولايات المتحدة الأميركية تظل -على الرغم من المشاكل والتعقيدات- أهم بكثير من علاقات بلادة الأخرى حول العالم.
وفي نهاية اليوم، يتوجب على حكومة كورية جنوبية تقدمية مثل حكومة مون أن تظهر للشعب على الدوام أنها قادرة على إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة وحمايتها. وحتى الآن، يبدو أن حكومة مون قد نجحت في ذلك.

*مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون شرق آسيا. كان سفير الولايات المتحدة إلى العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، ومبعوثاً أميركياً خاصاً إلى كوسوفو، ومفاوضات في اتفاقيات دايتون للسلام، وكبير المفاوضين الأميركيين مع كوريا الشمالية من 2005 إلى 2009. وهو كبير المستشارين ومستشار الانخراط العالمي وأستاذ ممارسة الدبلوماسية في جامعة دينفر، ومؤلف "البؤر الأمامية".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق