هل ينجح معرض الدار البيضاء في دعم الثقافة بالمغرب؟

تم نشره في الخميس 15 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً
  • جانب من الحضور في معرض الكتاب بالدار البيضاء - (أرشيفية)

عمان - الغد - يُكرس المعرض الدولي للكتاب والنشر الذي تحتضنه الدار البيضاء في نسخته الرابعة والعشرين، نفسه كموعد قار ومحوري في المشهد الثقافي المغربي، من خلال برمجته المكثفة بفعاليات متنوعة على مدى عشرة أيام، وكذا عبر جاذبيته الجماهيرية التي لا يستهان بها.
لكن السؤال يتجدد مع كل دورة، بحسب (الجزيرة. نت)، حول مدى الانعكاس الملموس للمعرض على حركة الإبداع الثقافي إنتاجا وتوزيعا، وحقيقة دوره في خلق  فضاء ثقافي يمتد خارج مكان المعرض وزمانه.
حركة دائبة لا تخطئها العين عند مداخل المعرض الذي يقام قبالة مسجد الحسن الثاني، أشهر معالم العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية.
أفواج من الزوار وعائلات ومجموعات من التلاميذ يباشرون يوما من التجول عبر أروقة المعرض، ويغادرون محملين بأكياس كتب متنوعة، أدبية فكرية دينية مدرسية، أو كتب أطفال. دور النشر المغربية والعربية تنزل بثقلها في تنافس مفتوح لترويج كتب مثيرة للجدل أو نصوص أدبية متوجة بالجوائز لتلبية طلب زبائن بعضهم يأتي من مناطق بعيدة في البلاد.
لكن الاطمئنان إلى هذا الجانب المشرق من عرس الكتاب قد يكون متسرعا، بحسب كثيرين من المشتغلين بالحقل الثقافي أو متابعيه.
فبينما تراهن السلطات الوصية على القطاع الثقافي على المعرض لصنع لحظة احتفالية تكرم الكتاب وتفسح للكاتب فرصة التفاعل مع جمهوره وتوفر فضاءات للتبادل بين مهنيي النشر، تشدد أصوات عديدة من الساحة الثقافية على أن المعرض لا يخرج عن إطاره الموسمي الذي لا يحجب تراجع وضع الكتاب في مساحة الفرد والمجتمع، وغربة المبدع عن محيطه حتى في أوساط النخب والمؤسسات التعليمية.
من موقعه على رأس مديرية الكتاب بوزارة الثقافة، الجهة الوصية على التظاهرة، يؤكد حسن الوزاني أن المعرض يعد أهم لحظة ثقافية في البلاد، بالنظر إلى كثافة الفعاليات ومستوى المشاركين وحجم الإقبال، لكن من المغلوط اعتباره مفتاحا سحريا لتجاوز أزمة بنيوية من قبيل العزوف عن القراءة.
فهذه المعضلة مطروحة على أجندة سياسة شاملة لتنشيط مختلف حلقات الكتاب، ومنها دعم النشر وتقريب الكتاب من المواطنين وتشجيع المكتبات ونقط القراءة حتى في المناطق النائية، وإدماج مؤسسات المجتمع المدني في جهود استعادة مكانة الكتاب في الفضاءات العامة والخاصة.
ويضيف الوزاني بالقول إنه يجب النظر إلى المعرض في حدوده فهو فضاء تجاري وثقافي في الوقت نفسه "لا يحل مشكل القراءة، نحن واعون لذلك"، لكنه أساسا لحظة تواصل مع القارئ وخصوصا مع الأطفال، قراء المستقبل، ومحطة إطلالة على العالم، وفرصة للتعريف بالأعمال الجديدة.
معتدا برصيد من 700 إلى 750 لقاء ثقافيا عبر أيام المعرض، وبعرض 125 ألف عنوان في أكثر من أربعة ملايين نسخة؛ يؤكد الوزاني أن هذا المحفل يصنف ضمن أهم عشرين معرضا في العالم رغم ضيق المساحة، كما يفتخر بالقوة الاستقطابية التي سجلت العام الماضي حوالي 350 ألف زائر وبمستوى النقاشات المفتوحة والحرة. وأكثر من ذلك، يتعلق الأمر بـ"صناعة مغربية صرفة" على مستوى التصور والتنظيم.
أما على مستوى العلاقة بباقي المعارض العربية المماثلة، فأكد حسن الوزاني وجود قدر من التنسيق والتبادل بين هذه المعارض على نطاق التعاون وتبادل الخبرات، في أفق تأهيل أكبر لمستوى تنظيم هذه المواعيد الثقافية التي تتوزع على أهم العواصم العربية. 
في المقابل، يؤاخذ الكاتب المغربي محمد شويكة القائمين على المعرض بغياب تصور إستراتيجي عميق للدور المنوط بتظاهرة من هذا النوع، فضلا عن تسجيل نوع من التكرار والمقاربة التقليدية في تسطير البرامج واختيار الموضوعات المطروحة للنقاش، بل حتى في اختيار الضيوف الذين كثيرا ما يتجدد حضورهم دون تقديم إضافة نوعية للجمهور والمشهد الثقافي كله.
ويشدد شويكة -وهو قاص وناقد سينمائي- على أن ما يقع في المغرب مهم على مستوى الحساسيات الجديدة للكتابة والإبداع، والتي لا يستقطبها المعرض بالشكل المطلوب، كما أن الفنون تظل مهمشة في المعرض الذي يركز أكثر على الأدب.
ومن جولته بين أروقة الفضاء، يتحدث شويكة عن "غزو الكتب الصفراء" التي لا تساير طموحات الحداثة والثقافة الجادة التي تتحدث لغة العصر، ليخلص إلى أن المعرض سوّق لمهنيي النشر وهذا أمر طبيعي، ولكن من ناحية أخرى ينبغي أن يتعزز بتصور إستراتيجي لتسويق الثقافة المغربية، ذلك لأن مئات الإصدارات والتجارب الجديدة تبرز سنويا، لكن لا تجد لها صدى في هذا المحفل.
هذا الموقف تأتلف حوله مختلف الأصوات في المشهد الثقافي المغربي: نعم لمعرض بإشعاع عربي ودولي يصنع لحظة احتفاء بالكتاب والكتّاب، لكنّ التطلع لمستقبل الثقافة في البلاد يقتضي عملا مستداما وسياسة طويلة الأمد ومتعددة الأبعاد، تحفر للكتاب نهرا يقوده إلى مختلف فضاءات الفرد والمجتمع.

التعليق