تقييم صحي يُظهر الحاجة للدعم العلاجي النفسي للأردنيين واللاجئين السوريين

تم نشره في الخميس 15 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً
  • جانب من أعمال الهيئة الطبية الدولية في مخيمات اللاجئين-(من المصدر)
  • من أعمال الهيئة الطبية الدولية في المخيمات

تغريد السعايدة

عمان- "وضع اليد على الجرح" هي الخطوة الأولى لعلاج أي مشاكل مهما كان حجمها، ومن هنا جاء إعلان نتائج وتقييم خدمات الصحة النفسية المقدمة من الهيئة الطبية الدولية والخاصة باللاجئين السوريين في الأردن، لتؤكد ضرورة وجود تكاتف للجهود في سبيل تخفيف العبء الصحي الذي يقع على عاتق الأردن منذ توافد اللاجئين السوريين إلى أراضيها منذ العام 2011، وسط ظروف معيشية صعبة ومحيط "ملتهب" يلقي بظلاله على الأردن وسكانها.
أول من أمس، ضمت ورشة عمل نظمتها الهيئة الطبية الدولية التي ترسخ جهودها الدولية في سبيل إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة المنكوبين والمتضررين في العالم، وبخاصة في مجال الرعاية النفسية، مجموعة كبيرة من المهتمين من مؤسسات وجمعيات محلية دولية عدة، وبرعاية من سمو الأمير الحسن بن طلال، وحضور وزير الصحة الدكتور محمود الشياب، والتي كان من شأنها أن تُطلق توصيات وقرارات وأرقام مدروسة عدة، حول الحاجة الملحة لإيجاد دعم نفسي للاجئين السوريين والدولة المستضيفة "الأردن"، جراء ما يتلقاه الفرد من ضغوط، سواء في الحروب للاجئين، أو الوضع الاقتصادي الذي يعانيه نسبة من الأردنيين، ولكن تقف في مواجهة هذه الإجراءات حواجز عدة أبرزها؛ الخوف من الوصمة وبخاصة لدى المرأة.
وفي عرض مفصل، قدم مدير برامج بعثة الهيئة الطبية الدولية، الدكتور أحمد بواعنة، أبرز التحديات والنتائج والتوصيات التي توصل لها التقييم الذي تم تنفيذه في عشر محافظات خلال شهر حزيران (يونيو) الماضي، واستهدف 6 آلاف مواطن ولاجئ؛ حيث عكس هذا التقييم وجود ما يسمى بـ"المرونة النفسية" لدى اللاجئين؛ أي أنهم كانوا على استعداد تام في تقديم الملعومات والإفصاح عن رغبتهم في تلقي الدعم النفسي، فيما تبين أن اللاجئين خارج المخيمات لا يتلقون الدعم الكافي، وكان التحدي الأكبر لديهم ولدى المواطنين الأردنيين هو الخوف من "الوصمة". وبين البواعنة، أن المختصين واجهوا كذلك صعوبة في تقديم الدعم للسيدات أكثر من الرجال والأطفال؛ حيث أظهرت النساء خوفاً وتردداً في الإفصاح والحديث، بالإضافة إلى أن النتائج بينت أن المجتمع المستضيف "الأردن" غالباً ما كانوا يميلون إلى البحث عن دعم نفسي اجتماعي من خلال التواصل مع الأسرة وممارسة العبادات الروحانية، وكان عدم الاستقرار الاقتصادي هو مصدر القلق الأول للجنسين للفئة المستهدفة، من الأردنيين واللاجئين على حد سواء. وقال البواعنة "إن الإسقاطات النفسية جراء الحرب الدائرة في سورية، طالت ما يقارب 7.2 مليون سوري في مختلف دول العالم، 20 % منهم في الأردن، 83 % منهم يعيشون في المجتمع المحلي، ونصفهم أقل من 18 سنة، جميعهم يعانون من أعراض نفسية بحاجة إلى دعم متفاوت، ومنهم أطفال غير مصحوبين بأهاليهم، جراء فقدانهم في الحرب، وسيدات بدون وجود معيل".
هذه الأزمة الصحية النفسية في الأردن، هي امتداد للجوء منذ الحرب العراقية، في ظل محدودية الدخل والموارد في الأردن، وزيادة العبء على الكادر الطبي فيها، وعلى الموارد والبنية التحتية، ما يزيد الحاجة إلى الدعم المادي للدولة، من خلال التعاون في إيجاد فرق طبية مُدربة لمعالجة محتاجي الرعاية الصحية النفسية.
الأرقام التي كشف عنها البواعنة، تبين وجود (1253) نشاطا نفسيا اجتماعيا تم تنظيمها خلال العام الماضي، وتقديم الدعم من خلال 35 منظمة دولية ومحلية، 38 % من هذه الأنشطة تستهدف تقوية المجتمع الأسري، الذي يعد الحاضنة الأولى للفرد، و75 % من الخدمات تم تقديمها سواء متخصصة أو غير متخصصة، منها 19 % خدمات نفسية من مختصين متلقي التدريب والتأهيل اللازم.
هذا التقييم يسهم إلى حد كبير في وضع تصور مستقبلي للبرنامج النفسي الذي سيتم تصميمه مستقبلاً لمواجهة التحديات المقبلة، كما بين البواعنة، بالإضافة إلى الوقوف على أبرز تلك التحديات، ومساعدة الأطفال بشكل خاص، الذين يعانون من أكثر الأمراض النفسية جراء فقدانهم لذويهم، والتوعية في مجال التكيف، سواء سلبيا أو إيجابيا؛ حيث يوجد تكيف سلبي ينحرف فيه الفرد على المسار الصحيح السوي ويجد في العنف سبيلاً له، لذا العمل يصبح أكثر أهمية لتحويل المسار للتكيف الإيجابي الذي يتمثل بلجوء المختصين وطلب الدعم النفسي والمجتمعي.
وكانت التوصيات تؤكد أهمية محاولة الزيادة لوصول الخدمات النفسية والتوعوية للفرد، ومحاربة فكرة "الوصمة" والبحث عن نماذج يمكن أن تُقدم للمجتمع، والمحافظة على الخصوصية لمتلقي الدعم من خلال توفير بيئة مناسبة له، والحث على التكيف الإيجابي، والتركيز على تقديم الخدمات للأطفال وكبار السن.
وبين وزير الصحة، الدكتور محمود الشياب، في كلمته خلال الورشة "أن الصحة النفسية تعد أساسا لرفاهية الإنسان وحياة المجتمع، في ظل وجود أكثر من 450 مليون شخص حول العالم يشكون من اضطرابات نفسية، ويلقى حوالي 800 ألف إنسان حتفهم انتحارا، وأن من يحرمون من تلقي العلاج من المصابين (الفجوة في المعالجة) تتراوح بين 35.5 و50.3 بالمائة في البلدان المتقدمة وبين 76 و85 بالمائة في البلدان النامية وتُشكل الاضطرابات النفسية والعصبية والإدمان 14 بالمائة من العبء العالمي للمرض. وأكد الشياب أن الأردن لم يكن بمنأى عن النزاعات والاقتتال والعنف في المنطقة ودول الجوار ويعـاني من آثارها السلبية وتداعــياتها، لا سيما مع استضافته أعداد كبيرة من الأشقاء بسبب الظروف السائدة في بلدانهم وتحمل جراء ذلك أعباء كبيرة؛ إذ زاد الطلب على خدمات الرعاية الصحية النفسية والعصبية والإدمان، فضلا عن الضغط الشديد على البنى التحتية لقطاع الصحة عموما والصحة النفسية على وجه الخصوص، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وموارد بشرية محدودة في القطاع الصحي، لا سيما على صعيد الصحة النفسية.
رئيس بعثة الهيئة الطبية الدولية، موريزيو كريفيلارو، كشف عن أرقام عدة تُظهر الأعداد الهائلة التي تتلقى الدعم النفسي من الهيئة الطبية الدولية، بالتعاون مع وزارة الصحة؛ حيث يوجد 15 عيادة طبية نفسية تابعة للهيئة في محافظات المملكة، بينما توجد عيادتان في مخيمي الزعتري والأزرق، مشيراً إلى أن المعاينات الطبية أظهرت أن اللاجئين المتواجدين داخل المخيم يتلقون الدعم النفسي بشكل أكبر من اللاجئين الموزعين في مناطق المملكة، وهم بحاجة ماسة لهذا الدعم والرعاية والمتابعة، لما له من تأثير إيجابي على استقرار الوضع النفسي لديهم، وبخاصة الأطفال.
وبمبلغ إجمالي قيمته 14 مليون دولار خلال العام الماضي، قال كريفيلارو "إن هذا الدعم الذي يتم تقديمه توزع على مرحلة تدريب الأشخاص القائمين على الدعم، بالإضافة إلى توفير المعدات اللازمة للمتابعة بالإضافة إلى توفير الدعم اللوجستي للمتطوعين من أطباء وأخصائيين للمساهمة في مواجهة التحديات ودعم السلطات المحلية سواء كانت مركزية أو لامركزية، وحاولنا استقطاب الكثير من المساهمين في هذه المرحلة، ما كان له كبير الأثر في إنجاح العمل".
وكشفت الأرقام عن أن الهيئة الطبية الدولية قامت بحوالي 18 ألف زيارة منزلية لمعاينة وعلاج الحالات، بالإضافة إلى 540 ألف جلسة لإدراة الحالات، و17 ألف حالة تم زيارتها في مجال التدخلات لحماية الطفل، بالإضافة إلى تقديم الدعم للرعاية الصحة الإنجابية للمرأة، مؤكداً في الوقت ذاته أهمية وجود مثل هذا التعاون الذي يعد جزءا من الدعم العالمي للأردن كبلد مستضيف للاجئين، الذين يشكلون ما نسبته 20 % تقريبا من إجمالي السكان.
وأنشئت الهيئة الطبية الدولية في العام 1984 من قبل الأطباء والممرضين المتطوعين، كهيئة تطوعية، غير سياسية، تتمثل مهمتها في تحسين نوعية الحياة من خلال التداخلات الصحية والأنشطة ذات الصلة التي تبني القدرات المحلية في المجتمعات المحرومة في جميع أنحاء العالم. ومنذ تأسيسها، قدمت الهيئة الطبية الدولية ما قيمته 1.4 بليون دولار من المساعدات للملايين من الناس في 70 بلدا حول العالم.

التعليق