بوتين يريد أن تستمر محادثات سورية إلى الأبد

تم نشره في الأحد 18 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

ليونارد بيرشيدسكي* - (بلومبيرغ) 2/2/2018

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

شاهدت مجموعة سورية معارضة طارت إلى مطار سوشي من أجل حضور مؤتمر للسلام شعار التجمع -علم حكومة الرئيس بشار الأسد مفروداً بين جناحي حمامة- فطارت عائدة إلى أنقرة حتى من دون المرور خلال مراقبة الجوازات. ولا بد أن يكون ذلك قد أسعد الروس، الذين لم يريدوا في الواقع حضور معارضي الأسد.
كان ذلك أحدث مثال للعبة التي تلعبها روسيا في سورية: إنها ليست مهتمة بأي نوع من الحل للصراع، حتى مع أنها تمضي مع عملية السلام.
إن موقف روسيا الرسمي هو دعم وحدة سورية الإقليمية، وحل سياسي ترعاه الأمم المتحدة لإنهاء الحرب الأهلية في البلد. ويبدو الأمر وكأن مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي يخدم هذا التوجه ظاهرياً.
لكن روسيا كانت تعرف مسبقاً أن المفاوضين السوريين الذين تعترف بهم الأمم المتحدة لن يحضروا، وقد بذل منظمو المؤتمر كل جهد ممكن لتنفير كل طرف آخر أراد الحديث ضد الأسد. لكن ذلك لم ينجح تماماً -فقد قوطع وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، بينما كان يفتتح المؤتمر- لكن التجمع أتاح في الجزء الأكبر منه للوفود الموالية للأسد بتناول بعض الوجبات الجيدة وجمع التحف التذكارية.
كان ما فعلته روسيا فعلاً في سوشي هو وضع تقديم عرض أدائي لمبعوث الأمم المتحدة، ستيفان ديميستورا، الذي أعرب عن القلق في البداية من أن روسيا وتركيا وإيران -الدول الثلاث التي وقفت وراء انعقاد المؤتمر- كانت تحاول إيجاد بديل للمحادثات الرسمية حول سورية في جنيف.
لكن مؤتمر سوشي قرر رسمياً تسليم المحادثات حول صياغة دستور جديد إلى لجنة جديدة في جنيف، والتي تمثل كل الأطراف. وكان دي ميستورا راضياً، في الظاهر على الأقل، وشكر الوفود والمنظمين على دعمهم العملية التي تقودها الأمم المتحدة. وكان من الممكن أن يأتي الأمر بنتائج عكسية لو أنه رفض التطمينات بأن الجانب المؤيد للأسد كان منفتحاً على الوساطة.
لكن دي ميستورا ربما لن يتفاجأ إذا كانت اللجنة الجديدة مجمدة منذ البداية. فالحكومة الروسية لا تفرش سجادة حمراء لداعمي الأسد لأنها تريد إرشادهم إلى طريق جنيف. إنها تريدهم بدلاً من ذلك أن يشعروا بأنهم حلفاء مقدَّرون طويلو الأمد.
في تموز (يوليو) من العام 2017، صادق البرلمان الروسي على اتفاقية مع حكومة الأسد تقضي بأن تحتفظ روسيا بقاعدتها العسكرية في حميميم لمدة 49 عاماً أخرى على الأقل، مع تمديدات أخرة كل 25 عاماً.
كما تم إبرام صفقة مشابهة بخصوص القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، التي توسعت بشكل كبير من منشأة متواضعة لإعادة الإمداد خلال الحرب الأهلية، والتي تتوسع الآن بشكل متزايد.
من الواضح أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أصبح نادماً عن خطواته السابقة نحو تقليص التواجد العسكري الروسي في ما وراء البحار، والقاعدتان السوريتان لهما قيمة كبيرة بالنسبة له باعتبارهما المعاقل الروسية الوحيدة في الشرق الأوسط.
مع ذلك، من غير المرجح أن يحتفظ بوتين بالقاعدتين وفق خطة مثل ذالتي اقترحتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والسعودية والأردن، التي اجتمع ممثلوها مع الثوار السوريين الذين تعترف بهم الأمم المتحدة في فيينا مؤخراً. وكانت فكرة تلك الخطة هي تسليم معظم سلطة الأسد للبرلمان والمناطق.
ووفق ذلك الترتيب، ستكون لهذه الجهات القليل من الأسباب للاعتراف باتفاقيات الأسد مع الكرملين. وفي الحقيقة، ليس لأحد سوى الأسد ومؤيديه مصلحة كبيرة في إبقائها. كما أن الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الأسد والموالون له الاحتفاظ بسلطة غير مخففة هي أن تبقى سورية مقسمة، بينما تحتفظ كل القوى الأجنبية المتورطة بالسيطرة بحكم الأمر الواقع على مناطقها الخاصة.
مهما يكن ما يقوله المسؤولون الروس، بمن فيهم بوتين، عن حل سياسي، فإنه ما يريدونه لسورية فعلياً هو أن تستمر المحادثات من أجل وضع دستور سوري 49 عاماً، ثم 25 عاماً أخرى.
لكن الولايات المتحدة في موقف مختلف جداً في سورية، حيث لها نحو 2000 جندي. وفي حين يبدو تواجدها هناك مفتوح النهاية ومركزاً على "التهديد الاستراتيجي" من إيران ومكافحة الجماعات الإرهابية، فإن لدى الولايات المتحدة مسبقاً ما يكفي من القواعد في الشرق الأوسط. وسوف يؤدي حل سياسي في سورية، خاصة على أساس خطوط فيينا، إلى تخفيف هذه التهديدات. وربما يكون كافياً بالنسبة للولايات المتحدة الاحتفاظ بتواجد في العراق المجاور.
وعلى نحو مشابه، فإن تركيا ستظل منخرطة في سورية فقط طالما ظلت الفوضى فيها تخلق تهديداً على حدودها. لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يبدو أنه يؤمن بحل سياسي دائم، وهو يقدر لروسيا غض الطرف عن عمله ضد الأكراد السوريين.
سيكون تقسيم بحكم الأمر الواقع واستمرار صراع شبه مجمد (على غرار شرق أوكرانيا، حيث يستمر بالموت كل يوم من دون حدوث عمل عسكري رئيسي) هو الخيار الحيوي الوحيد بالنسبة لروسيا، والخيار الأفضل بالنسبة لإيران بما أنها تحتفظ بالنفوذ على الأسد، وثاني أفضل سيناريو مقبول بالنسبة لتركيا ومصدر إزعاج غير ضروري بالنسبة للولايات المتحدة.
ولكن، نظراً لأن روسيا لن تصدق على الأغلب أي ضمانات غربية بأنها تستطيع الاحتفاظ بقواعدها إلى أجل غير مسمى تحت أي اتفاقية بديلة، فلا يبدو أي بديل قابلاً للتطبيق.
ذلك يضع دي ميستورا في موقف لا يحسد عليه. وسوف يكون مُجبراً على حضور المزيد من عروض السيرك التي تنتجها روسيا بينما يقوم الجانب الموالي للأسد بتجميد إجراء محادثات أخرى.

*كاتب في "بلومبيرغ فيو". مؤسس ومحرر صحيفة الأعمال الروسية "فيدوموستي"، ومؤسس موقع مقالات الرأي الإلكتروني "سلون.رو".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Putin Wants Syria Talks to Last Forever

التعليق