تشابك الأسئلة.. اغتراب روحي يعزلنا عن الحقيقة

تم نشره في الاثنين 19 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

ربى الرياحي

عمان- قد تتزاحم الأسئلة في دواخلنا ونعيش حالة من الضياع أحيانا، بين إجابات تقرها أرواحنا وأخرى يصنعها الواقع من حولنا، ولكن بدون أن تكون اللغة قادرة على الاحتفاء بتلك المشاعر وبضرورة القفز بها إلى منطقة الاشتباك الحسي هناك؛ حيث يصبح بإمكاننا التحايل على ما يصاغ من أسئلة تزيد من إحساسنا بالغربة وتلغي أيضا ذلك التفاؤل الذي اعتدنا أن نحمله معنا إلى آخر النفق لنستطيع على الأقل تقييم ذواتنا ومعاودة النظر في حقيقة تسليمنا بأن الأشياء كلها ثابتة لن تتغير.
تظل هذه الفكرة هي المسيطرة على حياة نعتقد أنها فقط تسير بخط واحد، وأنه من الصعب تجاوزه أو حتى الانحراف عنه قليلا، ربما لأننا نخشى أن نتواجه مع بعض الأسئلة المصيرية التي تثير شكوكنا أحيانا، وتعزلنا عن حاضرنا لبعض الوقت، رغبة منا في البحث عن فرصة للخروج على نمطية الصورة، وكأننا بذلك نعيد إلى ذواتنا ضجيج الحياة وتقلباتها المفتوحة غالبا على مدارات الأزمة، وإمكانية تفكيك تلك الرموز المبهمة، وبالتالي استرجاع الثقة المفقودة منذ زمن.
نحن وفي لحظة تقصينا عن الحقيقة، نكون أمام أسئلة كثيرة لا تخضع للنفي أو التأكيد، تبقى ممتدة تسمح بغير المتوقع أن يحدث ويسدل الستار على حيرة لأزمتنا طويلا، أفقدتنا شيئا من قوتنا التي هي قرار نتخذه لنضع حدا لشعور الغربة والصراع، يفتعله الخوف من إجابات قد لا تأتي على هوانا، نرفض الاعتراف بها لكونها تحذف جزءا مهما من الأسئلة.
إن الاشتباك الحاصل بين توقعات نختارها إرضاء لرغباتنا ولتخيلات ننسجها خارج حدود الواقع وبين أحداث تعاكس في الدرجة الأولى سياستنا التي تجيز قلب الحقائق، بل وتؤكدها واعتبار ذلك حقا مشروعا لنا، لمجرد أننا نتعمد دائما التشكيك في كل شيء.
وعدم قبول الحقيقة كما هي يمنحنا على الأرجح دافعا للتخلص من المصطلحات المستهلكة، تلك التي تشكل اغترابا لكل الحقائق المطلقة، وتثبت بالمقابل صحة ذلك الاعتقاد المتمثل في أن الأسئلة وبخاصة المتعلقة بالجزء التحليلي للواقع متحررة من القيود تحمل في نهاياتها علامات استفهام كبيرة، من الممكن أن نراهن عليها، وعلى ما نحاول أن نستشفه من اعترافات منثورة بين السطور.
ارتباكنا وإحساسنا بالتورط مع تلك الخطوات المقروءة سلفا، يفسر غالبا إصرارنا على النظر إلى الواقع من زاوية بعيدة، حتى يكون بمقدورنا رؤية كل ما يحدث بوضوح، بدون أن نضطر لإنكار الصلة بين الماضي والحاضر. كل ما نسعى إليه، هو أن تبقى الصور قادرة على التلون، لا تقبل أبدا التكرار والوقوف عند مرحلة دون غيرها فقط، لأنها جاءت مرضية نوعا ما لتوقعاتنا.
ولهذا السبب نجد أنه من الأفضل لنا أن نعيش تلك العزلة داخل ما نراه في المستقبل البعيد، والذي لن يكون على الإطلاق نسخة مكررة من الماضي على الأقل بالنسبة لنا.
جميعنا بدون استثناء، بحاجة إلى أن نفهم جيدا الشكل الحقيقي لكيفية التفاعل مع أكثر الأسئلة إلحاحا، وربما أيضا أقربها إلى ذلك المسار الذي يدين حتما الركض العشوائي، ويؤمن بأن العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل لا تنفصل، بل هي امتداد لحياة منفتحة على منعطفات تقضي بضرورة التجديد والتأمل بصيغ نحن من نخترعها.

التعليق