عَمَار يا مصر

تم نشره في الاثنين 19 شباط / فبراير 2018. 12:08 صباحاً

بعيدا عن السياسة بقدر الإمكان، حدثني صديقي بعد زيارته الأخيرة لمصر فقال: لقد طفح الكيل في مصر. أعني كيل الإرهاب الإسلاموي الداعشي الذي تبرر عقيدته قتل المصريين المصادفين (الأبرياء) المدنيين والعسكريين، المسيحيين والمسلمين، وحتى المصلين كما حدث في بئر العبد في سيناء بدم بارد، وبهدف إسقاط النظام والاستيلاء على السلطة، وتدمير جميع الآثار السابقة للعصر الإسلامي.
وأضاف محدثي: وفي هذا الصدد أنقل إليك بعضا من مقال أعجبني لأستاذ الفلسفة والفيلسوف المصري مراد وهبة في جريدة الأهرام في 30/1/2018:
"ومن هنا نشأت مفارقة جديرة بأن تكون موضع حوار، وهي أن ثمة تيارا إسلاميا أصوليا منح نفسه حق القتل استنادا إلى تفويض من إله هو في حاجة إلى تحليل فقهي أو لاهوتي من أجل معرفة هويته. وهنا يلزم التفرقة مسبقاً بين الله في ذاته والله في عقل الإنسان. فالله في عقل الإنسان محكوم في إدراكه بطبيعة هذا العقل وليس بمعزل عنه. وحيث إن هذا العقل نسبي في تفكيره، بمعنى أنه عاجز عن إدراك الله كما في ذاته، أي من حيث هو مطلق، فلا يحق لأحد الإدعاء بأنه الوحيد القادر على قنص ذلك المطلق الذي هو الله".
وأضاف محدثي: لقد رانت على مصر منذ هزيمة حزيران 1967، الفادحة، عقود من التداعيات السلبية: السياسية والإجتماعية والثقافية والاقتصادية التي أنزلت مصر عن عرشها الحضاري والإقليمي والعالمي، وجعلها إحدى بلدان الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا.
يبدو أنه وقد طفح كيل الإرهاب الذي يهدد وجود الدولة والمكانة، صار لا بد من حملة عسكرية شاملة على أوكاره في سيناء، والدلتا، والصحراء الغربية. بهذه المناسبة نأمل وندعو أن تنجح مصر في اجتثاث تنظيماته، بصورة نهائية، وبحيث تصبح آمنة مستقرة طولاً وعرضاً، وأرضاً للمحبة والوئام والسلام، وهدفا أسمى للسياحة العالمية.
قلت له: ولكن مصر لتصبح كذلك يجب عليها استئصال الفكر الإرهابي الذي يفرّخ الإرهابيين وهي مهمة صعبة وطويلة المدى ولكنها لازمة وحتمية لضمان نجاح التنمية وانطلاق الازدهار. لا يكفي استنكار الأزهر أو المفتي... للعمليات الإرهابية أو تأييدهما للحملة، بل يجب إعادة صياغة التعليم من روضة الأطفال فالمدرسة والجامعة والإعلام والجامع، وبحيث لا يكون عودة أبداً لهذا للفكر. أما علامة نجاحه فاستعادة مصر لعصر المرأة الذهبي قبيل الاستقلال وبعيده أو لعصر أم كلثوم.
وأستأنف محدثي الحديث فقال: لقد كادت مصر تتحول إلى دولة فاشلة مثل ليبيا أو سورية أو اليمن، إبان الأزمة الشديدة التي وقعت فيها. كانت أيدي الناس على قلوبها من احتمال انفراط القوات المسلحة. غير أنه تم في اللحظة الحاسمة انتشالها من هذا المصير وإعادة بنائها وتطويرها...
إن في مصر اليوم نهضة شاملة في جميع القطاعات وفي جميع الميادين على الرّغم من الإزعاج الإرهابي الذي يسرق الوقت والجهد والمال ويفتك بالناس. فالماء مثلاً يصل إلى كل عمارة مهما عَلت... لدرجة أنك لا ترى في مصر خزان ماء على سطح بيت أو عمارة فالماء دائم الجريان والوصول بكل قوة. كما أن الكهرباء متوافرة لدرجة زيادتها عن الحاجة بمقدار خمسة ألاف ميغا واط صالحة للتصدير. ونرجو أن تنجح الحملة في استئصال شأفة الإرهاب لتبقى مصر واحة مستقرة، وتستعيد عافيتها وزخمها ودورها الإقليمي والعالمي.
لعل مصر هي الدولة الأعمق في العالم ويتجلّى هذا العمق باستمرار الدولة المصرية على الرّغم من التقلبات والاقتحامات الخارجية عبر التاريخ، وبآثارها العملاقة الظاهرة والخافية المادية والثقافية وبصروحها العمرانية القديمة والجديدة. ولعلّ أكبر مشكلتين في مصر هما الإنفجار السكاني وسد النهضة إذا لم تف الحبشة بالتزامها.
وأتم حديثه قائلا: لو كان العالم المالي والاقتصادي سوي التفكير والتقدير لجعل العملة المصرية هي العملة الصعبة الأولى في العالم لضمانة آثار مصر الغنية والفريدة والوافرة لقيمتها التي لا تملك دولة في العالم مثلها. ثم هتف عمار يا مصر، وكأنه يذهب لأول مرة إليها.

التعليق