الوضع القاتم في سورية

تم نشره في الثلاثاء 20 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً
  • مقاتلون أكراد يتحدثون مع جنود أميركيين في بلدة الدرباسية السورية قرب الحدود التركية - (أرشيفية)

دومينيك مويسي*

باريس- في كتابه بعنوان "الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية البيزنطية"، يشير العالم السياسي إدوارد لوتواك، إلى أن طول عمر الإمبراطورية البيزنطية راجع إلى نوعية دبلوماسيتها. ويقول لوتواك، إنه من خلال الاعتماد على الإقناع والتحالفات والاحتواء، بدلاً من القوة، استطاعت الإمبراطورية الرومانية الشرقية الصمود لثمانية قرون -مرتان ضِعف عمر الإمبراطورية الرومانية التي نشأت منها. وبينما تحاول دول مثل تركيا والولايات المتحدة اجتياز الوضع المعقد أو "البيزنطي" في سورية، سيكون من الجيد أن يأخذوا التطور الدبلوماسي لبيزنطة بعين الاعتبار.
الهجوم الذي شنه الجيش التركي على الأراضي في شمال سورية التي يسيطر عليها الأكراد -أقرب شركاء أميركا في المعركة ضد تنظيم "داعش"- يسلط الضوء على التعقيد الحقيقي للأزمة السورية. وتواجه تركيا والولايات المتحدة الآن، وهما عضوان مؤسسان في حلف شمال الأطلسي، خطراً حقيقياً يتمثل في حدوث تصعيد سيؤدي بدوره إلى مواجهة مباشرة بين قواتهما المسلحة -وهي مواجهة ستراقبها روسيا بارتياح.
كما تستسلم تركيا للحساب التفاضلي في الشرق الأوسط: الأراضي تساوي السلطة. وبالنسبة لتركيا -الفخورة بتاريخها الإمبراطوري، والقلقة بشأن فقدان مجدها السابق- فإنه ليس من حق سكانها الأكراد، تحت أي ظرف من الظروف، الاستيلاء على أراضيها.
في العقود الأخيرة، أصيبت جهود تركيا الرامية إلى تحقيق حلمها العثماني الجديد المؤثر بشكل كبير في منطقتها بخيبة أمل. وبينما كان العديد من الإصلاحيين العرب يأملون أن تصبح تركيا بعد بداية الربيع العربي في العام 2010 نموذجاً للديمقراطية الحديثة، فإن الأمور سارت بشكل مختلف عما كان مخططاً له.
لكن تركيا توجهت منذ ذلك الحين نحو السلطوية، ويرجع ذلك جزئياً إلى التوظيف الفعال للرئيس رجب طيب أردوغان للقومية. وقد لقي مسلسل ملحمة "كوت العمارة"، وهو مسلسل تلفزيوني تركي يحكي قصة انتصار العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى على القوات البريطانية الغازية، نجاحاً كبيراً بين المشاهدين الأتراك. وتزداد شعبية أردوغان عادة عند تصاعد التوتر العسكري؛ حيث اقترح بعض المعلقين السياسيين في تركيا إمكانية إجراء انتخابات مبكرة لتعزيز النظام، مثل ما حدث بعد الانقلاب الفاشل الذي وقع في العام 2016.
وقد ساعد ذلك على إبعاد تركيا عن الاتحاد الأوروبي. وقد تخلى نظام أردوغان عن التظاهر بإقامة علاقات أوثق مع تلك الكتلة، بدلاً من مضاعفة التزامه بتعزيز موقفه في الشرق الأوسط. وتكمن أولويات تركيا في منع تشكيل منطقة مستقلة مخصصة للأكراد السوريين على حدودها -وهي نتيجة يمكن أن تلهم حزب العمال الكردستاني التركي، الذي كان وراء العديد من الهجمات الإرهابية على الأراضي التركية، للمطالبة بالشيء نفسه.
من المحتمل أن تؤدي مغامرات تركيا العسكرية في سورية إلى نتائج عكسية -على سبيل المثال، في حال وقوع خسائر بشرية كبيرة أو انتصار الخصم الذي يعد أقل شأناً. وعادة ما تكون الأنظمة الاستبدادية أكثر عرضة للمغامرات العسكرية الفاشلة من الأنظمة الديمقراطية. لكن أردوغان يبدو، في الوقت الراهن، ملتزماً باستراتيجيته التي تجمع بين الأهداف الهجومية والدفاعية.
خلق كل هذا معضلة بالنسبة للولايات المتحدة التي أجبرت على الاختيار بين حليفها الرسمي (تركيا) وشركائها الفعليين (الأكراد). ومن المرجح أن يذهب ولاء الجيش الأميركي إلى الأكراد الذين وقفوا بشجاعة في المعركة ضد "داعش" وكثيراً ما فقدوا أرواحهم. ومن ناحية أخرى، فإن الدبلوماسيين والسياسيين هم أكثر استعداداً للتضحية بالأكراد من أجل الحفاظ على علاقات جيدة مع تركيا، باعتبارها حليفاً هاماً في حلف شمال الأطلسي، وإن كانت أكثر برودة وأكثر صعوبة.
من الناحية المثالية، يمكن أن تجد الولايات المتحدة وسيلة لتهدئة تركيا من دون التخلي عن الأكراد. ولكن، مع التزام الأكراد باستخدام نفوذهم الذي تحقق بمشقة الأنفس لتعزيز المناطق الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي في شمال سورية والعراق، فسيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تنفيذ هذه الاستراتيجية. 
الوضع الحالي في سورية معقد للغاية. ففي حين يتخذ أردوغان الخطوات اللازمة لتعزيز سلطته، تبدو الولايات المتحدة، في هذه الأثناء، مستعدة للتضحية بشركائها المخلصين، وبالأكراد، من أجل مصلحة الدولة. لكن المفارقة الكبيرة في هذا هي أن الفائز الحقيقي في هذه اللعبة الاستراتيجية هو فلاديمير بوتين وروسيا. وقد أصبح التوتر داخل الناتو الآن أكثر تصاعداً من أي وقت مضى. وإذا أصبحت سورية ساحة قتال لعضوين في التحالف، فإن العواقب على الغرب ستكون وخيمة -والفوائد على روسيا ستكون ضخمة.
سوف يكون أكبر المتضررين هم السكان المدنيون والضحايا الرئيسيون في لعبة الشطرنج الدموية هذه، والذين سيفاقم مثل هذا التطور من معاناتهم. ويبدو أن العالم أصبح أقل حساسية مع إراقة الكثير من الدماء. وقد أكد لي أحد أصدقائي الدبلوماسيين أن دوره الجديد في الخدمة لم يعزز إيمانه بالإنسانية. ويؤكد التعامل مع المسألة الكردية في سورية موقفه السلبي.

*عالم سياسي، وكبير مستشاري معهد مونتين في باريس.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق