إبراهيم غرايبة

الاستثناء من الإنفاق العام بما هو فشل مدبر!

تم نشره في الخميس 22 شباط / فبراير 2018. 01:05 صباحاً

"ليس ثمة عدل إن كان هناك مظلوم واحد، وليس ثمة حرية إن كان هناك واحد محروم منها".
تحتاج السلطات السياسية إلى أعداء، فلا تطبيق لسيادة الدولة والقانون إلا بوجود أعداء وخارجين على القوانين! وقد كانت على مدى القرون السياسة المفضلة للسلطات السياسية هي المواجهة مع فئات اجتماعية واقتصادية تشعر بالتهميش والظلم، ويسهل دائما أن تقع في أخطاء قانونية أو دينية، فهي على الدوام فئات خارجة على القانون أو الدين! لكنها في واقع الحال مصدر لجمع الضرائب والأتاوات وتأديب وحشد الطبقات الغنية والحلفاء والشركاء الأنيقين الذين وإن كان لا يصلح معاقبتهم أو أنهم أذكى من الوقوع في خطأ قانوني وديني. والحال أنها سياسة نجحت في بناء علاقات الخوف والقهر بين السلطة والمجتمعات، وأغنتها عن المعنى في العلاقة بما هي العدالة والحريات والازدهار والانتماء والمشاركة. لكنها سياسة لم تعد مفيدة أو مجدية في مرحلة الشبكية التي قوّضت هرم الدول والسلطات والمجتمعات وحولتها هي أيضا إلى شبكة يتساوى فيها جميع الناس. لم تعد السلطة السياسية قادرة على تنظيم علاقتها بالمجتمعات إلا بقدر ما تكتسب شراكة وثقة جميع المواطنين، ولم تعد السيادة تملك معنى غير الثقة! والأمثلة التي تحدث كل يوم والتفاعل الشبكي معها يؤشران إلى أن الحكومة تتصرف مثل فيل في متجر الزجاج!
بموافقتنا على أن الثقة هي أساس العلاقة بين السلطة والمجتمعات نلزم أنفسنا حكومة ومجتمعات وشركات بعقد اجتماعي قائم على بناء منظومة اجتماعية اقتصادية تؤول في محصلتها ونتائجها إلى مجتمعات وأنظمة سياسية تسودها قيم الاعتدال والتسامح وتقبل الآخر ونبذ الكراهية والعنصرية والتعصب، ووعي فردي وجماعي بأن التقدم الاقتصادي والاجتماعي والارتقاء بمستوى المعيشة والتعليم والصحة يقوم على مشاركة إيجابية وإدراك بدهي لخطر الكراهية والقهر على حياة الناس ومصالحهم.
لا يمكن استثناء أحد أو فئة عندما نستهدف بناء الاعتدال والتنمية والمشاركة في المؤسسات والبرامج والأعمال التعليمية والثقافية والإعلامية والإرشادية، كما لا يمكن الحديث عن العدالة إذا كانت المؤسسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية تستثني من منافعها أحداً من الناس، ولا يمكن تعزيز البيئة العامة وتحصينها من التطرف والكراهية إن كانت هشة وقابلة للاختراق والضعف، فلا منعة فكرية من غير عدالة وحريات ومنعة اقتصادية واجتماعية.
هكذا، يمكن الاستدلال على النجاح والتقدم بملاحظة سياسات التعاون والتعايش في دولنا ومجتمعاتنا، وشراكتنا مع العالم والشراكة بين السلطة والمجتمعات والأسواق وتكاملها، ويمكن أيضاً ببساطة توقع الفشل والكراهية واللامبالاة والانهيار بمدى الفشل الاقتصادي والاجتماعي، فلا يمكن الفصل بين الفوضى والانهيار والصراعات السائدة اليوم في دول وبين حالة غياب العدالة الاقتصادية والتوزيع العادل للفرص والموارد العامة والخدمات الأساسية، هي في واقع الحال وكما يقول طرفا الصراع على نحو مباشر أو غير مباشر صراع بين المستثنيين من التنمية والمشمولين بها!
لكن هناك أيضاً ما يمكن ملاحظته من جوانب قوية وإيجابية. فما من شكّ في أن حالة إيجابية من الوعي والمعرفة تتشكل، وأن أصوات النقد والمراجعة اليوم أقوى منها قبل سنوات قليلة، وتتشكل اليوم قناعة شاملة بأن مواجهة الفشل هي بطبيعة الحال مواجهة مع الفقر والظلم والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، والأكثر أهمية وإيجابية هو الوعي بأن المواجهة ليست وعوداً أكيدة لكنها محاولات ومغامرة ليست محسومة تلقائياً لمصلحة الدول والمجتمعات. فلم يعد ثمة يقين، وليس لدينا في هذه الحرب سوى الخيال والنية الحسنة!

التعليق