مؤيدو نتنياهو الجبناء والكسالى والأغبياء

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 01:10 صباحاً
  • رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوسط زوجته وحاخما يمينيا خلال احتفال اقيم الثلاثاء الماضي.-(ا ف ب)

هآرتس

 دانييل بلتمان

التناقض الأكثر دهشة، الذي اكتشف بعد نشر مجمل التحقيقات مع بنيامين نتنياهو من قبل الشرطة كان الفجوة بين ثقة الجمهور بما جاء في توصياتها وبين الاستقرار الذي لا يهتز في مكانة نتنياهو في رئاسة الحكومة والليكود. أي أن توصيات الشرطة لم تؤد إلى تحول دراماتيكي في نظر جزء كبير من الجمهور لرئيس الحكومة، الذي حسب الاستطلاعات يستمر في حصوله على تأييد اكبر مقارنة مع رؤساء الاحزاب الاخرى في إسرائيل.
الأسباب الداعية للتأييد غير المعقول كما يبدو لرئيس الحكومة المتهم بعدد من حالات الرشوة، وهو الشخص الذي يثير المشاكل، ويحرض والاكثر خطورة الذي تولى رئاسة الحكم في إسرائيل، يجب البحث عنها في تفسيرات لا تتميز باعتبارات عقلانية للناخب، والتي على ضوئها سيقرر اذا كان سيؤيد هذا السياسي أو ذاك. الامر متعلق بدوافع تنبع من مصادر مختلفة تماما.
ما هي اسباب أن كثيرين ممن يواصلون السير خلف رئيس قام في السنوات الاخيرة ببذل جهد من اجل اقامة نظام استبدادي في إسرائيل؟ كيف يستمرون في تأييد شخص يحاول حل جهاز القانون وجهاز القضاء، وقمع وسائل الاعلام المستقلة والانتقادية وأن يخضعها لاخطائه واخطاء زوجته، وأن يحول إسرائيل إلى دولة تندمج فيها المصالح الاقتصادية لأرباب المال مع المصالح الشخصية للسياسيين؟ يبدو أن الاجابات يجب البحث عنها في ثنايا التاريخ وعلم النفس والاجتماع. السبب الاول هو عدم اليقين الوجودي في إسرائيل. المعارضة الفلسطينية العنيفة والازمات الأمنية التي تخلقها حماس وحزب الله وإيران هي واقع لا يتغير في الواقع الإسرائيلي. في اوقات عدم اليقين فإن الأشخاص يسيرون خلف زعماء ذوي شخصيات قوية، هذه الشخصية لا تعتمد بالضرورة على أفعال فعلية للزعيم، أي أنها غير متعلقة بمسألة إذا قام بأفعال عسكرية شجاعة أو صد ضغوطات دولية للحفاظ على مصالح الدولة.
في حالة عدم اليقين فإن الجمهور يعزز زعامة موجهة استبدادية لها اربعة خصائص. هذه زعامة تعرض قدرتها (أيضا حتى لو كانت وهمية)، على أن تتخذ بنفسها كل القرارات المهمة؛ زعامة تنقل رسالة تفيد بأنها تنشغل في تحقيق المهمات الوطنية وليس في الصغائر (مثل السيجار والشمبانيا)؛ زعامة، رغم أنها شعبوية، تعرف كيف تحافظ على مسافة بينها وبين الجمهور من اجل الحفاظ على مكانتها الأعلى من الشعب؛ زعامة تخلق وتحافظ على الدافعية بواسطة تهديد مستمر بحدوث كارثة ستحل بالشعب إذا سقط الزعيم، أو عن طريق رد الجميل بطرق غير سليمة لذوي القدرات المستعدين لأن يوفروا لها أدوات للحفاظ على قوتها.
ادولف هتلر وفر زعامة كهذه للشعب الالماني في زمن عدم اليقين في الحرب العالمية الأولى. وياسر عرفات كان نموذجا لـ "الزعامة الموجهة" للشعب الفلسطيني خلال بضعة عقود في نضاله للتحرر الوطني. أيضا اسلوب مارغريت تاتشر التي انتخبت لرئاسة حكومة بريطانيا في 1979 تميز بنماذج من "الزعامة الموجهة" في زمن عدم اليمين والشعور بالتفكك الاقتصادي والاجتماعي.
زعامة نتنياهو هي بالضبط مثل تلك الزعامة. هو ينقل رسالة دائمة يطرح فيها قدراته التي تفوق كل قدرات السياسيين الآخرين في إسرائيل، في أن يكون "زعيم موجه" ازاء خطر ايران ووكلائها في لبنان وفي قطاع غزة. الخوف، مثل اقتراح كانت، يلعب هنا دور مركزي في عدم رغبة مئات آلاف الإسرائيليين في الانفصال عن وصاية نتنياهو الدفاعية. المخاوف الوجودية التي تغذي التأييد الراسخ لنتنياهو تندمج مع التفكير الانتقادي الكسول. معروف مثلا أن الازمة الاقتصادية تغذي مواقف سلبية تجاه الاقليات والمهاجرين، لا سيما اذا ظهر أن هذه الاقليات تتنافس على الموارد المحدودة للدولة. من هنا يمكن الافتراض أن تأييد نتنياهو في اوساط الطبقات الاجتماعية الفقيرة ينبع أيضا من الوضع الاقتصادي الصعب لها وبسبب السياسة التي يقودها، وهي طرد اللاجئين.
ولكن هنا مشكلة معينة: الوضع الاقتصادي في إسرائيل هو من افضل الأوضاع في الدول الغربية. نسبة البطالة فيها منخفضة، واستقرارها الاقتصادي غير مشكوك فيه. إسرائيل هي نموذج معروف لأدبيات البحث في دولة تزيد فيها قوة اليمين السياسي الذي يقوده حاكم يسعى إلى الاستبداد رغم حقيقة أن وضعها الاقتصادي مستقر. هكذا كان الوضع في ايطاليا في عهد بيرلسكوني، على سبيل المثال، واليوم هذا هو الوضع في بولندا وهنغاريا.
هناك عنصر يحرك الدعم غير المشكوك فيه لنتنياهو، ليس المنافسة مع طالبي اللجوء الأفارقة على أماكن العمل والموارد، بل كسل التفكير الانتقادي. بسبب ذلك فإن من يؤيدون نتنياهو لا يتوصلون إلى استنتاج أن ليس اللاجئين هؤلاء هم الذين يمنعون القدرة على تحسين وضعهم، ولا يمنعون احتمال تحسين ظروف الحياة. الزعيم الذي يؤيدونه هو الذي يسبب ذلك.
من هم الاغبياء، مثلما وصفهم كانت؟ يبدو أن في إسرائيل هذه الخاصية تناسب في الاساس فئة المتملقين، التي تحيط برئيس الحكومة، مثلا وزيرة الثقافة التي استخذت امامه بعد أن عاد من زيارته المغطاة اعلاميا في الهند، وكأنه قيصر روماني يعود من حملة احتلال لاقليم بعيد. مثلا، رجل قانون ووزير مثل ياريف لفين، الذي حولته كراهيته المرضية للديمقراطية الليبرالية وسمو القانون إلى كلب حراسة لنتنياهو، الذي يبرر بتبريرات قانونية كل عمل ظلامي لبطله.
أو عضو الكنيست الغريب ميكي زوهر الذي شبه قتل يتسحاق رابين بوضع رئيس حكومة فاسد وخطير، والذي يسير خلفه مثل بغل لا ينظر إلى اليمين أو إلى اليسار. هذه المجموعة القوية من الاغبياء، التي تشجع المصالحة السياسية لها بصورة ساخرة إلى جانب جمهور كبير لا يجد الطريق لمواجهة مشاكله – هذا ما يحافظ على نتنياهو في وضع الوصي و"الزعيم الموجه".
في نيسان 1945 اثناء الانهيار الكبير للرايخ الثالث وعلى ضوء انعدام قدرة الجنرالات الالمان في وقف الحرب حتى اللحظة الاخيرة، كتب ضابط صغير في الفيرماخ، يوليوس دوفنر، في مذكراته "ألا يوجد من يلجم هذا المجنون ويوقف كل شيء؟ أما زالوا جنرالات؟ لا، هم جبناء! وليس الجندي البسيط!"، دعوته هذه لها علاقة بالسياق الإسرائيلي الآن.
ليس الشعب هو المشكلة، والتهمة ليست موجهة ضده، إسرائيل بحاجة إلى عدد من السياسيين المسؤولين والمستقيمين كي يوقفوا هذا الجنون ويبينوا لنتنياهو الطريق السريع نحو الخارج.

التعليق