العقل والنقل

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

القاعدة العامة في التشريع الإسلامي أن العقل مناط التكليف؛ لأن التكليف يقتضي الامتثال والاستجابة، ومن كان عاجزاً عن الفهم كان عاجزاً عن الاستجابة فيكون تكليفه عبثاً والشارع منزه عن العبث، فالعقل هو جواز السفر الذي يلج به الإنسان دائرة التكليف الإسلامي وينتمي إليها. 
لأجل ذلك اشترط الإسلام في المكلف أن يكون ذا عقل يمكنه من فهم خطابات الشارع والتفاعل معها والاستجابة لمضمونها، وقد وردت مشتقات مادة عقل في القرآن الكريم في تسع وأربعين آية.
وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على مكانة العقل ومركزه في النظر الإسلامي.
 وقد اعتبر القرآن العقل معياراً لتكريم الإنسان وتفضيله على بقية الكائنات والمخلوقات فقال تعالى": وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" ويقول القرطبي في تفسيرها: والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء.
وبالعقل تأهل الإنسان لخلافة الأرض وعمارتها كما يقول الأصفهاني، و به استطاع الإنسان أن يطور حياته ويرتقي بها، خلافاً للكائنات الأخرى التي بقيت على حالها منذ أن خلقت إلى الآن.
ولأهمية العقل ومكانته جعل الإسلام العقل أحد مقاصده الضرورية التي لا تستقيم حياته إلا بها، فدعا إلى تنميته وتطويره بالعلم والمعرفة فقال تعالى:" وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا"، كما منع وحرم كل ما يؤدي إلى شل قدراته وتعطيل وظائفه بالمسكرات والمخدرات والخرافات وغيرها.
وإذا كان الأمر على هذا النحو  كان من غير المنطقي أن يخاطب الإسلام الإنسان بما يتناقض مع عقله أو يتصادم معه؛ إذ لو أراد الإسلام  ذلك لما اشترط العقل في الإنسان ابتداء، ولاكتفى بتكليف غير العاقلين أو قليلي الفهم، فالإسلام باشتراطه العقل في المكلف فرض على نفسه فرضاً ذاتياً احترامه ومخاطبته خاطباً منطقياً سليماً يتقبله العقل ويرتضيه.
وبناء على ما سبق لا يمكن أن نجد في الإسلام نصاً صحيحاً صريحاً يتناقض مع صحيح العقل أو يتصادم معه؛ لأن العقل خلق الله وتكوينه والنص الديني كلام الله وخطابه، ومن المستحيل أن يتناقض خطاب الله مع خلقه، أو أن يتعارض تصرفه في الوجود تكويناً مع تصرفه فيه تشريعاً.
فإذ ما حصل شيء من ذلك ووجدنا أنفسنا أمام نص ديني يتعارض مع صحيح العقل الثابت ثبوتاً صحيحاً، عندها نكون أمام أحد أمرين: إما أن يكون النص الديني غير صحيح، وهذا الأمر خاص بالسنة النبوية، وعندها ينتفي التعارض لعدم ثبوت النص، أو أن يكون النص صحيحاً وثابتاً ولكنه غير صريح في دلالته على المعنى الذي فهم منه مصادمته للعقل، فيظهر أنه مخالف للعقل وهو في الحقيقة على خلاف ذلك.
والمخرج من ذلك هو اللجوء لتأويل النص بما يستقيم مع صحيح العقل، فيكون التأويل بذلك مخرجاً من حالة التعارض التي حصلت بينه وبين العقل، والتأويل يكون بحمل اللفظ على أحد وجوهه ومحتملاته من المجاز أو الكناية أو غيرها من التأويلات التي تنأى بالنص من أن يكون متعارضاً من العقل الصحيح.
ومن المعلوم أن التأويل وهو حمل اللفظ على خلاف ظاهره أسلوب معهود في فهم الخطاب العربي، وليس في العمل به محظور عقلي أو شرعي، خاصة وأنه يحمي النص من الوقوع في دائرة التناقض والتعارض، وليس في ذلك شيء من تقديم العقل على النقل ،بل هي محاولة لحماية النص وصيانته، ولكن لا يجوز بحال إهدار العقل والغاؤه للمحافظة على النص الظني ما دام تأويله ممكناً؛ لأن العقل أصل للنقل فالقدح في العقل قدح في أصل النقل كما يقول الإمام الرازي.

التعليق