دعاء أم اعتداء

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 01:09 صباحاً
  • مسلمة من كشمير تقرأ في القرآن الكريم (أرشيفية)

د. محمد الشريفين

الدعاء هو مطلق الطلب من الله سبحانه وتعالى، أي أن كلَّ ما نطلبه من الله يُعتبر دعاء، وقد وجه الحقُّ سبحانه وتعالى عباده أن يقصدوه ويلجأوا إليه بالدعاء، قال تعالى:"وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ". وهذا الطلب لا يختص بالمسلمين ولكن يشمل الناس أجمعين،قال تعالى:" وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا"، والمضطر الداعي من أي ملة كان إذا دعا الله تعالى في لحظة إيمان وإلتجاء إليه، استجاب له، قال تعالى:"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ "، ومن أعظم الأدلة على سعة استجابة الله للدعاء، وشموله كافة الخلق، أن الله تعالى استجاب لإبليس، قال تعالى:" قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ"
والمدقق المتأمل في أدعيتنا خاصة تلك التي درج كثير من الوعاظ وخطباء المنابر على الدعاء بها في الجمع والجماعات والمناسبات المختلفة، يجد أن فيها صورتين خطيرتين من صور الاعتداء في الدعاء، وهما: الإعتداء على الذات، والإعتداء على الآخرين.
سيختص مقالي بالحديث عن الصورة الثانية من صور الاعتداء وهي الاعتداء على الآخرين، وفي هذه الحالة يكون الدعاء موجها ضد غيرنا من أتباع الأديان أو الطوائف أو المذاهب الأخرى ، ومن أمثلته: اللهم عليك باليهود ومن هاودهم، وبالنصارى ومن ناصرهم، وبالشيعة ومن شايعهم...الخ من ذلك الكلام الذي أرى أنه لا يخلو من: التعصب والعنصرية والشوفانية الروحانية. والأدعية في هذا الباب كثيرة ومتنوعة درجنا على سماعها منذ الصغر، وما زال جمع من الوعاظ يثقلون بها أسماعنا، والعجيب الذي قد لا يخفى على أحد منا هو أن حالنا بعد كل هذه الأدعية يصير من سيء إلى أسوأ، بينما يصير حال من ندعوا عليهم بالسوء من حسن إلى أحسن! فما المشكلة وأين يكمن الخلل؟
ولو أنعمنا النظر في كتاب الله العزيز، لوجدنا آية كريمة تنهى عن هذا الضرب من الأدعية، وهي قوله تعالى:"ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً  إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "، وأود أن  أقف على هذا الضرب من الأدعية الذي يتمثل فيها الإعتداء على الآخر بصورة جلية على النحو الآتي:
أولا: أن هذا اللون من ألوان الدعاء يخالف المقصد الذي شرع من أجله الدعاء؛ حيث قال تعالى:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ  فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"، فلو أمعنا النظر في هذه الآية الكريمة، لوجدنا أنها تتضمن طلباً من الله تعالى لعموم عباده أن يدعوه ثم يؤمنوا به، وهذا يثبت أن الدعاء منفصل عن الإيمان، والدعاء إنما هو وسيلة لتحقيق الإيمان، كما تضمنت هذه الآية غاية الدعاء وهي تحقق الرشد الذي هو أصلا أمر عام لا تختص به فئة دون فئة، فالجميع مدعوون إليه، قال تعالى:"لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"، وذلك أن الرشد يشكل صمام أمان المجتمعات وخاصة تلك التي تتعدد فيها الطوائف والأديان، فهو يحفظ أمنها ويعصمها من الآثار السلبية للخلاف، كالتباغض والاحتراب والاقتتال.
ثانيا: أن هذا الصنف من الدعاء ينطوي على طلب مخالف للسنن الكونية التي أرادها الله تعالى في الكون،قال تعالى:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً  وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ".ولو دققنا في بعض الأدعية، لوجدنا أن فيها مخالفة صارخة لسنة التنوع والتعدد التي أرادها الله سبحانه وتعالي مثل: "اللهم لا تذر على الأرض من اليهود -أو من غيرهم من أتباع الاديان أو الطوائف- ديارا"، وهنا لا بد من التنبيه على أنه قد صدر دعاء مماثل من سيدنا نوح على قومه لكن المدقق في ملابساته يجد أنه قد صدر بعد دعوة طويلة لقومه، وبعد اعلام الله تعالى لسيدنا نوح أنه لن يؤمن من قومه الا من قد آمن، فكانوا مستحقين لهذا الدعاء، وهذا ما لا ينطبق على واقعنا اليوم.  فالدعاء بهذه الصيغة يتضمن طلب من الله تعالى أن يعتدي على الآخرين، وهذا محال.
 ثالثا: أن هذا الصنف من الدعاء يتضمن السب والشتم، قال الله تعالى: "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ". فإن كان الله عز وجل نهى عن سب آلهة الكفار وقاية للمؤمنين أن يسب الله أمامهم فيحصل بسببه فساد واحتراب بين المؤمنين والكافرين، وهذا ضرب من الإفساد في الأرض.
رابعا: أن هذا اللون من الوان الدعاء يعبر عن شخصية غير سوية، ترتكز على فهم خاطئ للدين، ينطلق هذا الفهم من إصدار أحكام عامة على مخالفيه في أي ميدان كان ذلك الخلاف، وقد أمرنا الله عز وجل أن نحسن في الدعاء ،كما وأمرنا أن نحسن الظن بالآخرين، وأن نتأنى في الحكم على الناس، وأن نصبر على الجاهلين. قال تعالى: "وقولوا للناس حسنا"، وقال تعالى:" وأعرض عن الجاهلين"، وقال تعالى:" وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ".
 وهكذا يتبين لنا مما سبق أن الاعتداء بالدعاء اعتداء منهي عنه، وانحراف عن سبيل الله التي أمر الله تعالى عباده المتقين بها وحثهم عليها قال تعالى: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"، وقال تعالى" وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ".
ولا بد من التنبيه هنا إلى أن ما أذهب إليه يلفت الأنظار إلى ضرورة الوعي بأدعيتنا حتى يستجيبها الله تعالى، ولا يعني بحال عدم جواز الدعاء على الآخرين في حالات معينة وشروط مهمة يحتاج الحديث عنها إلى مقال مستقل.
ختاما فإن هذه دعوة إلى خطباء المساجد والوعاظ أن يتوقفوا عن مثل هذه الأدعية التي تثير النعرات، وتؤثر على السلم المجتمعي، وتغرس خنجرا في خاصرة الوحدة الوطنية التي نعتز بها لأنها واحدة من مقومات الدول المتحضرة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا من الداعين إليه، المدافعين عن دينه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عن صحابته أجمعين.

التعليق