إبراهيم غرايبة

الفيل في سوق الزجاج

تم نشره في السبت 24 شباط / فبراير 2018. 01:08 صباحاً

تسرف الحكومة في عرض أخبار حماية المستثمرين من جماعة الخاوات لكنها لا تقول شيئا عن حماية المواطنين من هذه الجماعات، ولا تريد أن تحول المرضى إلى مركز الحسين للسرطان، لكنها لا تقول لأجل من بني المركز وجمعت له  التبرعات، والحال أن الأحداث تقدم كل يوم عشرات الأدلة الواضحة على أن العملية السياسية التي تخوضها الحكومة ليست سوى صراع بين السلطة والمجتمعات، وكانت الأحزاب وجماعات المعارضة المنقرضة تغطي هذا الصراع أو تتستر عليه، ويمكن على سبيل المثال الإشارة إلى عمليات التدوين في شبكات التواصل وما تحركه من جدل واعتقالات ومحاكمات، فالمدونون الذين يُعتقلون اليوم ليسوا صحفيين محترفين، أو لا يعملون في مؤسسات إعلامية، لكنهم مواطنون يدونون ملاحظاتهم وأفكارهم في شبكات التواصل الاجتماعي، وفي ذلك فإن السلطة تجد نفسها في مواجهة المواطنين والمجتمعات، ويستعيد الصراع الاجتماعي والسياسي حالة سابقة على الدولة الحديثة.
وبالنظر إلى الإصلاح على أنه صراع بين الطبقات وما تمثله من مصالح، ويكون في محصلته التسويات والمكاسب الممكن الحصول عليها في التنافس، فإن السؤال يكون ما الاستراتيجيات الجديدة للصراع السلمي بين المجتمعات والنخب؟ تمضي الطبقات المهيمنة بطبيعتها الأوليغارشية الاحتكارية في إدارة مصالحها ومواقفها على أساس الهيمنة الشاملة على الفرص والموارد وحرمان المجتمعات والطبقات من كل ما يمكن ان تتيحه التقنية والتطورات الاقتصادية والسياسية حتى لو لم يكن في ذلك تهديد لهذه الطبقات، لكنها تنظر إلى أي مكسب للمجتمعات على أنه تهديد محتمل لها، وتخاف من نهاية مروعة في نهاية الصراع تجعلها (النهاية) أسوأ احتمال، وتدفعها على نحو حاسم لدخول صراع لا مجال للتسوية فيه مع المجتمعات.
 كيف تدير المجتمعات صراعها مع الأوليغارشيا وتنتزع منها تنازلات ومكاسب؟ لا خلاف حول الفوضى التي أنشأتها الشبكة، ولا خلاف أيضاً حول فهم الصراع الجديد، وفي ذلك فإن الخيار الممكن هو التحول من الفوضى إلى محاولة التأثير بالفعل في السياسة والفكر، الإجابة بالطبع لدى النخب المهيمنة هي السيطرة على الشبكة وتحويلها إلى مؤسسات تشبه الصحف ووسائل الإعلام في مرحلة ما قبل الإنترنت. لكن يبدو أن الشبكة خرجت عن السيطرة، ولا مناص من تغيير قواعد الصراع والتنافس لأن اللعبة نفسها تغيرت، وفي ذلك فإن المجتمعات في حاجة إلى العمل الجاد من أجل التنافس العادل، وأن تتنازل النخب المهيمنة عن كثير من الامتيازات غير العادلة ان لم تكن كلها وأن تدخل في اللعبة بما اكتسبته من مكاسب وفرص مقبولة في اللعبة العادلة (نسبياً).
فالشبكية بما أنشأت مساواة واقعية ملموسة بين جميع الناس (تقريباً) تنشئ فلسفة سياسية جديدة مفادها أن المساواة في الوصول إلى المعرفة ومصادرها تقتضي مساواة في الأهلية والكفاءة في تقدير ما يصلح وما لا يصلح لتنظيم حياة ومصالح الأفراد والمجتمعات والدول، وعلى نحو واقعي وملموس تتحول القلاع والهياكل التي نظمت مصالح ومصائر الناس لآلاف السنين، وكانت تحتكرها فئة من العارفين إلى شبكة يشاركها فيها جميع من يمكنهم الوصول إليها؛ ويكيبيديا تتحول إلى مثال يعمم على البرلمانات والحكومات والمدارس والجامعات والتشريعات وتنظيم شؤون الناس ومصالحهم وعباداتهم وخياراتهم.
وتتغير أيضاً في الصراع الجديد الموارد التي تتنافس عليها الفئات والطبقات، وفي مواصلة الاحتكار والمنع للموارد والفرص الجديدة في الطاقة وتحلية المياه والطابعات الثلاثية الأبعاد وأنظمة القيادة الذاتية وإمكانية التعلم والتواصل بل وإجراء العمليات الجراحية المعقدة من غير وصاية أو تحكم متخصص معقد يتغير معنى الموارد والمهن والأسواق نفسها، ويتغير أيضاً محتوى الصراع والسياسة والاقتصاد.
لكن تحتاج المجتمعات والجماهير أيضاً إلى أن تدرك اللحظة، وتسأل نفسها بعقلانية وهدوء ما الذي تريده وما الذي لا تريده وماذا يمكنها ان تحقق وماذا لا يمكنها.

التعليق