سورية: امتلكها، وسوف تصلحها. لذلك استأجرها فقط

تم نشره في الأحد 25 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً
  • مراقبو الأمم المتحدة يرصدون الحدود الإسرائيلية-السورية – (أرشيفية)

توماس فريدمان – (نيويورك تايمز) 13/2/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

قبل نحو أسبوعين، بينما كنت أقف عند الحدود السورية-الإسرائيلية في هضبة الجولان، كتبت مقالا تقوم فكرته على أن هذه الحدود هي "ثاني أخطر" منطقة حرب في العالم اليوم –بعد شبه الجزيرة الكورية. ولكن، من فضلكم، أود أن أراجع وأعدل ذلك المقال.
بعد أن شاهدت مراسم افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، حيث سار الرياضيون الكوريون الشماليون والجنوبيون معا إلى الملعب معا في مهرجان للحب؛ وبعد أن شاهدت أيضا إسرائيل وهي تسقط طائرة مسيرة إيرانية قادمة من سورية، وتقصف قاعدة في سورية وتخسر واحدة من طائراتها الـ"ف-16" بصاروخ سوري؛ وبعد أن قتلت الطائرات الأميركية حفنة من "المتعاقدين" الروس الذين اقتربوا من قواتنا في سورية، أصبحت أعتقد الآن بأن الجبهة السورية-الإسرائيلية-اللبنانية هي "الزاوية الأكثر خطرا" في العالم اليوم.
في أي مكان آخر يمكنك أن تجد قوات سورية، وروسية، وأميركية، وإيرانية وتركية، وأن تجد المستشارين وهم يتواجهون على الأرض وفي الجو –إلى جانب المرتزقة الشيعة الموالين لإيران من العراق، ولبنان، وباكستان وأفغانستان؛ والمقاتلين الأكراد الموالين للولايات المتحدة من شمال سورية؛ وبقايا "داعش"؛ والثوار السُنة المختلفين المناهضين للنظام، الموالين للسعودية ولغيرها، و-أنا لا أختلق هذا- "المقاولين" القوزاق الروس الأرثوذكس المناصرين للنظام السوري، الذين ذهبوا إلى سورية للدفاع عن الأم روسيا من "البرابرة المجانين"- أين تجد خليطاً مثل هؤلاء الذين يحتكون كلهم ببعضهم بعضا؟
كما أشارت صحيفة "الواشنطن بوست"، فإنه "في غضون أسبوع واحد في الأسبوع الماضي، فقدت روسيا، وتركيا، وإسرائيل طائرات بنيران معادية" في سورية.
لقد ابتُكِر مصطلح "برميل بارود" لوصف هذا المكان. ومصطلح "ميدان معركة ثلاثي الأبعاد"، لا يقترب حتى من البدء بالتقاط تعقيداته. إنه ميدان معركة متعدد الأبعاد، والذي يتطلب حاسوبا كميا لفرز هذا العدد الهائل من الفاعلين، والتحالفات المتغيرة وخطوط الصراع.
ولكن، إذا كانت هذه القصة قد زحفت عليك وتركتك مشوشا حول ما يجب أن تكون عليه السياسة الأميركية، دعني أحاول تفكيك التشابك لك.
الأخبار السيئة والأخبار الجيدة عن الحرب في سورية هي أن كل الأطراف المتورطة تسترشد كلها بقاعدة حديدية واحدة: إنك لا تريد أن "تمتلك" هذه الحرب. ويبدو أن الوضع القائم هناك هو التجسيد النهائي لمفهوم: استأجر حربا. فهناك، يريد كل طرف تعظيم مصالحه وتقليل نفوذ منافسيه بوضع أقل عدد ممكن من جنوده الخاصين تحت الخطر، وأن يقاتل بدلا من ذلك من أجل تحقيق أهدافه من خلال القوة الجوية، والمرتزقة، والثوار المحليين.
وقد تعلم اللاعبون جميعا –روسيا من أفغانستان؛ وإيران من الحرب الإيرانية العراقية؛ وإسرائيل من جنوب لبنان؛ والولايات المتحدة من العراق وأفغانستان- أن جماهيرهم لن تتسامح مع توافد أعداد كبيرة من أكياس جثث الجنود الذين يخوضون أي حرب برية في الشرق الأوسط.
يريد فلاديمير بوتين أن يتمكن من إخبار الروس بأن "روسيا عادت" كقوة عظمى، وأنه صانع الملوك في سورية –لكنه لا يضع أي جنود روس تحت الخطر. وبدلا من ذلك، يستخدم بوتين إيران لتوفير القوات البرية ويجند المقاولين، مثل أولئك القوازق من شركة روسية خاصة اسمها "وانغر"، للقتال والموت على الأرض –كما حدث مع العشرات منهم في ذلك اليوم الأخير بضربة أميركية.
وإيران، التي شهدت لتوها انتفاضة قام بها مواطنوها أنفسهم، وطالبوا فيها طهران بإنفاق نقودها في الوطن، وليس في سورية، تقوم بمنح تعاقد من الباطن لتزويد الحرب البرية التي منحتها روسيا عقدها من الباطن بدورها، لوكلاء إيران –حزب الله والمرتزقة الشيعة المختلفين من العراق، وباكستان وأفغانستان. وبهذه الطريقة تستطيع إيران أن تسيطر على دمشق وأن تستخدم سورية كقاعدة أمامية لوضع الضغط على إسرائيل، لكنها تدفع "بالبيع بالجملة" وليس "بالتجزئة".
القوات الخاصة الأميركية تقوم بتسليح المقاتلين الأكراد من شمال سورية وتقدم لهم المشورة لخوض الحرب البرية ضد "داعش". وتستخدم تركيا الثوار السنة لمحاربة نفس الأكراد. وتستخدم السعودية وقطر جماعات الثوار المختلفة لمحاربة القوات الموالية لإيران والشيعية الموالية للنظام، وتستخدم إسرائيل الذراع الطويلة لسلاحها الجوي.
في العام 2003، كنتُ قد كتبتُ مقالاً في الفترة التي سبقت إطاحة الولايات المتحدة بصدام حسين -وهو ما أيدته- وحذرتُ فيه: "القاعدة الأولى لأي غزو للعراق هي قاعدة محل بيع الفخار: إذا كسرته، فإنه تمتلكه. إذا كسرنا العراق، فإننا سنمتلك العراق".
وهكذا، فإن القاعدة الملزمة السارية في سورية اليوم هي، "أنت تمتلكه، أنت تصلحه". ولأن لا أحد يريد أن يمتلك المسؤولية عن إصلاح سورية –وهو مشروع ضخم- فإنهم يريدون جميعا مجرد استئجار النفوذ هناك.
ثمة شيء من روح القرن 21 حقا في هذه الحرب.
لكن هذا محبط. إنه يعني أنه ليس لدى أي من الأطراف المحلية ما يكفي من القوة، والموارد –أو الرغبة في التنازل- لجلب الاستقرار إلى سورية من أسفل إلى أعلى، ولا أحد من الأطراف الخارجية مستعد لاستثمار ما يكفي من القوة والموارد لجلب الاستقرار لها من أعلى إلى أسفل.
"الأخبار الجيدة"، نوعا ما، هي أنه لأن كل طرف "كاره للخسارة" جدا في سورية، فإن من الأقل ترجيحا أن يصبح أي طرف متهورا جدا. سوف يواصل الإيرانيون وحزب الله على أغلب تقدير وكز إسرائيل، وإنما ليس إلى درجة تجعل الإسرائيليين يفعلون ما هم قادرون على فعله -تدمير حي حزب الله في لبنان وضرب أرض إيران الرئيسية بالصواريخ؛ وتعرف إسرائيل أن ممرها للتكنولوجيا الفائقة، إلى جانب سهلها الساحلي، سيتعرضان للتدمير بالصواريخ الإيرانية العائدة في الرد.
الأتراك لا يريدون حربا مع أميركا. وأميركا لا تريد حربا مع روسيا، والروس يريدون فقط أخذ أكبر قدر يستطيعونه من النفط من سورية، وأن يستخدموها كقاعدة ووسيلة لتعزيز الأنا الروسية، من دون الاشتباك مع أحد –لأنهم أضعف كثيرا مما يبدون.
ربما سيتعب اللاعبون في نهاية المطاف ويتوصلون إلى صيغة اتفاق لتقاسم السلطة، كما فعل اللبنانيون أخيرا في العام 1989 لإنهاء حربهم الأهلية. ولكن، للأسف، استغرق الأمر اللبنانيين 14 عاما حتى يعودوا إلى صوابهم. وهكذا، استعدوا لتلقي قدر أكبر كثيرا من الأخبار من سورية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Syria: You Own It, You Fix It, So Just Rent It

التعليق