الرغبة بالبقاء.. حقيقة تترجم الاحتياج للحظات فارقة

تم نشره في الاثنين 26 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً
  • يجب التخلص من مفارقات الماضي وأسئلته العقيمة حتى يتمكن الفرد من فتح أبواب المستقبل - (أرشيفية)

ربى الرياحي

هي تؤمن جيدا أنه ورغم كل الأوجاع التي تحاصرها، ما يزال هناك متسع للحياة تتمسك برغبة البقاء تلك، باحثة عن لحظات فارقة تعيد إليها شيئا من اتزانها وتزيد من إصرارها على مقاومة كل الظروف القاسية بدون أن تضطر لمقاطعة واقعها الصعب المعاند غالبا لطموحاتها وتغيير ما هي فيه من لوم لذاتها.
كثرة الهموم حولها تدفعها إلى تحمل ما هو فوق طاقتها، تضاعف من إحساسها بالذنب تجعلها تشعر بأن الكون بأسره يتآمر عليها، لكنها مع ذلك تظل ثابتة ثرية بمشاعرها يعنيها كثيرا أن تلمح لمعة الفرح في أعين من تحب.
لهذا السبب تجد أن عليها أن تكون سخية أكثر معهم بمحبتها بقربها بقدرتها على نشر الفرح في دواخلهم وإشعارهم الدائم بأنها تفهم جيدا وجعهم واحتياجهم الملح لحل جذري يخرجهم من أزمتهم التي باتت تخنقهم وتحرمهم من أن يستمتعوا بأبسط الأشياء أو حتى يبتسموا بعفوية بدون خوف أو قلق، معتقدين أن في ذلك تجاهلا متعمدا للظروف الاستثنائية التي يعيشونها والتي تفرض عليهم نمط حياة بعيدا تماما عما حلموا به وتمنوه.
مواقف قاسية جدا تلك التي مرت بها وشكلت شخصيتها، وكان لها جزء من الفضل بما هي عليه اليوم من ثبات وإيمان قوي، تعثرت وربما تألمت أيضا، إلا أنها ظلت تدرك أن انتظارها للحظة الفارقة التي ستقلب حياتها رأسا على عقب وستعوضها عن كل ما عانته يترجم فعليا إصرارها على مواجهة كل الخيبات ومحاولة خلق فرص جديدة للبقاء تبعدها حتما عن وجع يأبى أن يحتلها ويزعزعها من الداخل ويبقيها هشة منكسرة.
لقد رفضت أن تكرس إحساس الانكفاء داخل نفسها، بحجة أنها تبحث عن مساحة آمنة تستكين إليها، تحتمي بها من عثرات الزمن وتقلباته. أرهقها التفكير بضرورة التخلص من كل ما تراه موجعا ومحبطا لتلك الحياة التي اختارت أن تعيشها. لم تتوقف عند ألم اللحظات الآنية ومرارتها بل أرادت أن تقوى على جراحها، آملة بأن يكون القادم مرضيا لتطلعاتها يحمل لها كل الخير ويمنحها السعادة الحقيقية التي لطالما فتشت عنها واعتبرت أنها ستبقى تتجاهل وجودها للأبد.
ما يطمئنها هي اليوم تجاوزها لكل الاختبارات التي كان عليها أن تخضع لها واقتناعها بحقيقة أن الحياة حتى وإن قست عليها وخاصمتها لبعض الوقت، فإنها أيضا ستعطيها ما تستحقه في النهاية وستبرر لها خوفها من أن تتنكر لماضٍ جعلها ولو مؤقتا تستثني الفرح من أيامها، وتستدعي سيناريوهات أكثر ألما، تعتقد أنها الأقدر على تجسيد كل ما تشعر به، وما من شأنه أن يقلقها.
أصبحت نظرتها تجاه ما يحدث معها ترتكز على العمق بدون أن تلغي حاجتها للتغيير. بدأت تفهم واقعها أكثر وتعي جيدا أهمية ذلك الضوء الخافت الذي ورغم بعده وقصوره يستطيع أن يبدد عتمة الأشياء من حولها، ويمكنها بالتالي من أن تظل على علاقة بأحد المسارات المفتوحة. فليس أمامها سوى أن تصمت وتترقب بثقة كل ما سيطرأ على حياتها من تغيرات قادرة على أن تشعرها بأنها فعلا قد تخلصت من مفارقات الماضي، وأسئلته العقيمة المستندة في الغالب على إبقاء الماضي حيا بسلبيته وإغلاق أبواب المستقبل.

التعليق