"مين مش" فاهم يا أولاد؟

تم نشره في الاثنين 26 شباط / فبراير 2018. 01:07 صباحاً

التعليم علوم وآداب وفنون، والعلوم والآداب المقررة تتجلى في الكتب المدرسية. أما الفنون فتتجلى في النشاطات وأساليب التعليم ووسائله، أي بكيفية توصيل المعلم/ة العلوم والآداب إلى المتعلم/ة نظرياً وعملياً. ولعله لهذا يجب اعتبار التعليم مهنة عليا وليست مهنة من لا مهنة له، لأنها المهنة الوحيدة التي تتعامل مع الإنسان جسداً وعقلاً، أي التي تقوم على التكوين السليم للإنسان. وعندما تكون كذلك فإنها تدلّ على صحة المجتمع الحضارية.
والتعليم بعلومه وآدابه وفنونه بحاجة إلى إعداد مسبق للمعلم/ة بحيث يتحولان إلى ينبوع لا ينضب في التوصيل والعطاء والإبداع والابتكار.
والإعداد قسمان: أولي يتم بالمقابلة والسبر للمتقدمين للعمل في المهنة، فيختار من بينهم من يبدو مناسباً للمهنة هيئة ودافعية، وتالياً يتم في دور الإعداد أو المعلمين والمعلمات، على أن يكون الفصل الأول منه تجريبياً يقرر فيه الطالب/ المعلم أو هيئة التدريس الاستمرار أو الانسحاب.
وأضاف محدثي: لعل أبرز ما توصلت إليه بعد ذلك في أثناء عملي في التعليم أو في إدارته التزام المعلم/ة والمدير/ة بالتعليمات أو بالقواعد أو الآداب نفسها المطلوبة من التلاميذ الالتزام بها في المدرسة، والطلبة في دور المعلمين والمعلمات والجامعات أي أن يكون المعلم/ة والمدير/ة قدوة تراقب نفسها وأداءها، فلا تفرض – مثلاً – على التلميذ/ة أو على الطالب/ة الالتزام بموعد الدوام بينما لا يلتزم المعلم/ة أو الأستاذ/ة أو المدير/ة أو الرئيس/ة بموعده. ولا يمنع تلاميذه أو طلبته من التدخين بينما هو يدخن في العلن أو في السر، وهكذا، لأنه إن كان هذا السلوك خطأ فهو كذلك للجميع، ولا تمييز - سلوكياً أو خلقياً - بين المسؤول وغير المسؤول، أو الكبير والصغير، أو الرجل والمرأة في موضوع الأخلاق.
وأضاف: كنت ملتزماً بالواجب الذي اخترته بعملي هذا أو ذاك سواء وقعت عليه بالقلم أو ضمناً، وكنت أرى وما أزال أن الواجب يتقدم على الحق لأن الواجب يبدأ قبل الحق لأنه بمثابة إنتاج، والحق بمثابة استهلاك، وإنه لا استهلاك قبل إنتاج. وأنه إذا لم يعجبك الحق لأن ما تقدم من واجب يفوقه بكثير، فإن ذلك لا يجيز لك تقليص الواجب أو العبث فيه إذا لم تحصل على ما نعتقد أنه حق.
كما أدركت منذ البداية ثم تأكد لي ذلك بالدراسة أن كل طفل/ة سوي/ة قادر/ة على تعلّم أي شيء إذا تم تعليمه إياه بصورة صحيحة. ودليلي على ذلك اكتساب جميع الأطفال الأسوياء في العالم لغات ذويهم ومهارات بقائهم مهما كانت صعبة ومعقدة قبل الالتحاق بالمدرسة.
وقد عبرت عن هذه الفكرة بعلامة الامتحان عندما كنت معلماً إذ لم أجعل لأي امتحان علامة أكثر من خمسة، لتضييق الفروق بين التلاميذ. وكنت أوزع أوراق الامتحان عليهم بعد التصحيح لمناقشتي فيه. وكان الفرق بين اثنين يتساويان في المعلومة مبنياً على الفرق في سلامة اللغة بينهما. كنت أتعلم بالتعليم كما أعلّم، ما جعلني أؤمن بنظرية التعليم المتبادل بين المعلم والمتعلم وهي في نظري نظرية راقية وذات نتائج إيجابية عظيمة.
وأضاف: ولأن المساحة للمزيد لا تكفي فإنني أتوقف عند تدخل غير المربين وغير المختصين في جوهر التعليم، بما في ذلك الامتحانات، أو الترفيع التلقائي، أو الرسوب، أو المعدل... إلا إذ كان المتدخلون يستشهدون بمختصين أو بأبحاث جدية ذات علاقة تعزز ما يدّعون فيه، وإلا صار على المربين والمعلمين والمعلمات التدخل في جوهر الطب، أو الصيدلة، أو المحاماة، أو الهندسة.
نعم، يستطيع كل شخص أن يتحدث في الرسوم والأقساط المدرسية، والمدارس العامة والخاصة، والمملوكة والمستأجرة، واكتظاظ الصفوف، ورواتب المعلمين والمعلمات، وأجور الأطباء والمحامين وأسعار الدواء... ولكنه لا يتدخل في جوهر عملهم إذا لم يكن مختصاً أو مستشهداً بمختص أو ببحث معتمد.
ولتوضيح جهل هؤلاء لجوهر التربية والتعليم أذكر مثالاً واحد، مثل قول معلم/ة للتلاميذ أو التلميذات وقد أنهى شرح الدرس: "مين مش فاهم منكم يا أولاد أو يا بنات؟ ليفاجأ أن واحداً أو واحدة لا يرفع يده مع أن كثيراً منهم لم يفهم، لأن شكل السؤال يدينهم تربوياً سلفا.
السؤال البديل واضح، والفرق بينهما هائل، ومثله في السوء الإدانة أو الوصم الذي يلبس الطفل في مجمل التعليم أو في موضوع معين فلا يفوز فيهما أبداً.

التعليق