من شارك ومن لم يشارك في التحركات الاحتجاجية

تم نشره في الاثنين 26 شباط / فبراير 2018. 01:04 صباحاً

إذا تأملنا تحركات الشهر الفائت منذ قرار الخبز وما تلاه، يمكن بسهولة ملاحظة أن الأكثر تضررا من القرارات، لم يشاركوا في التحركات.
وبالمناسبة، هناك بالفعل فئات من الأردنيين يعتبر الخبز عندها مكونا رئيسيا وكبيرا من وجبات طعامهم. وأذكر قبل سنوات أن صديقا كان يجري بحثا في بعض قرى جنوب الأردن، أطلعني على مجموعة أوراق وزعها على تلاميذ إحدى المدارس، وقد سألهم فيها عن أشهَر أكلة يعرفونها، فكانت إجابات أغلبهم: "المنسف"، ولكن السؤال الثاني كان عن الطعام "الفعلي" الذي تناولوه هذا اليوم، فكانت أغلب الإجابات: "الخبز والشاي"! مع التأكيد هنا أنهم كانوا أطفالا ولم يبغلوا "سن الشكوى" بعد، أي أن إجابتهم في الحالتين صحيحة.
الذين تحركوا ينتمون إلى مجموعات مختلفة: حزبية وحراكية واجتماعية محلية ومناطقية، أو على شكل مجموعات أو أفراد أو "مؤثرين" على التواصل الاجتماعي، منهم مخلصون ومصلحون فعلا، ومنهم مجرد راغبين بممارسة متعة "فشة الغل" بشجاعة حينا أو بجبن ورعونة حينا، من داخل البلد أو من خارجه.. ولكن يجمعهم رغبتهم في ممارسة "التعبير عن الرأي".
إنهم يحتجون باسم "المجموع"، وقد قالوا ذلك صراحة، مع وجود فرق مهم في تصنيف هذه التحركات، فالأحزاب المرخصة تحتج من دون أن تحرص على الحصول على جواب، وفي بعض الحالات تقول الأحزاب بوضوح إنها لا تنتظر جوابا من هكذا حكومة! لكن في تحركات التجمعات المحلية والمناطقية المنظمة (السلط والكرك وذيبان مثلا) فإن المحتجين يغضبون من استمرار تجاهلهم، لأنهم يعتبرون ذلك تجاهلا لمدنهم وساكنيها، فهم يدخلون عنصر الكرامة المجتمعية.
في السلط مثلاً، حيث التحرك الأشهر لغاية الآن، فإن المشاركين قالوا بوضوح إن الأمر عندهم، ليس متعلقا بالخبز أو الجوع أو الفقر المباشر، ولذلك حددوا أربعة مطالب، أحدها يتصل بالتراجع عن القرارات والضرائب، وثلاثة ذات طابع سياسي مباشر (اسقاط الحكومة وحل مجلس النواب ومكافحة حقيقية للفساد). وإذا جاز لي تقديم شهادتي بعد حضور كامل مسيرة السلط مساء الخميس، أقول من المؤسف أنه تم تجاوز هذا المحتوى الجوهري للمسيرة والتحرك، كما تمثله هذه المطالب، وجرى التركيز على ممارسة خاصة خرجت عن السياق العام للتحرك، ولم تعتمد من قبل قيادة هذا التحرك.
بالمقابل، فإن المتضررين فعلا وبقسوة من القرارات والضرائب، أي الفقراء ومن حولهم على العموم، عندما يتحركون أو يحتجون، لا يقومون بذلك رغبة منهم بممارسة حرية التعبير عن الرأي، بالمعنى المتعارف عليه، ثم انه ليس لديهم مختصون بصياغة الآراء والتصريحات، فليس لدى الجوعى عموما ناطق إعلامي أو رسمي، وليس لديهم "جهة مخولة" بالنطق باسمهم... وغير ذلك من "طقوس" حريات التعبير.
الحكومة تراقب مشهد المتحركين من غير المتضررين تضررا قاسيا، فبالنسبة لها، عندما يتعلق الأمر بحرية التعبير، فإن المسألة "مقدور عليها"، ومن المرجح أن هناك الآن في الحكومة من يحصي عدد التحركات التي "سمَحَت" بها، لكي تُعلَن لاحقاً في جداول توضح مدى حرص الحكومة على الحق في التعبير.
الأجدر بالحكومة أن تراقب المشهد عند المتضررين فعلا، فهؤلاء لا شأن لهم بحق التعبير عن الرأي، ولكن لهم كل الشأن بحق العيش. وعلى الحكومة أن لا تسترخي باستنتاجاتها وآمالها في مجال المساس بهذا الحق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إنتبهت (قيس البياري)

    الاثنين 26 شباط / فبراير 2018.
    مقال لافت
  • »حجم التاثر عند المتضررين (احمد)

    الاثنين 26 شباط / فبراير 2018.
    من الحصيف ما قام به الكاتب من تقسيم وانا اود الحديث عن المتضررين فعلا اكثر من غيرهم واعتقد ان الضرر الاكبر نال المدخنين ومستهلكي البنزين والديزل اكثر من غيرهم اما بخصوص التموين من خبز وسلع اخرى فقد تم التعويض عن ارتفاع الخبز اما السلع الاخرى فارتفاعها محدود جدا مثل مادة الشعيرية والملح والتي تحمل اغلب التجار نسبة الزيادة نيابة عن المستهلكين وارى ان موقف هذه الفئة الكبرى وهو موقف جمعي غير مخطط له هو موقف رزين لايزال يميز بين جلب المنافع ودرء المفاسد والمطلوب هو بناء ثقة وانفتاح مع هذه الفئة الرزينة والوصول الى مشهد اكثر استقرارا