ثلاثة مفاتيح لجنوب أفريقيا جديدة

تم نشره في الاثنين 26 شباط / فبراير 2018. 01:00 صباحاً
  • رئيس جنوب أفريقيا الجديد ماتاميلا رامافوسا - (أرشيفية)

فرِد باسوانا*

جوهانسبرج- أعلن رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما، استقالته من منصبه كرئيس لجنوب أفريقيا -وهي خطوة حتمية عقب سحب المؤتمر الوطني الإفريقي الثقة منه داخل البرلمان. وبعد عقدين من محاولة نيلسون مانديلا نقل الرئاسة إلى سيريل رامافوسا -وفشله في ذلك- أصبح نائب الرئيس السابق ورئيس حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحالي قائداً لجنوب أفريقيا. والتحديات التي سيواجهها رامافوسا شاقة، مثل تلك التي واجهت مانديلا بينما يحاول إخراج بلده من حطام التمييز العنصري.
منذ ما يقرب من ربع قرن، بعد أربع سنوات من إطلاق سراح مانديلا من السجن، احتفل الجنوب أفريقيون بولادة دولة دستورية شاملة. لكن ذلك الحماس انطفأ خلال فترة ولاية زوما. وفي خضم الادعاءات حول الفساد المستشري، وتراجع التصنيف، وتجاوزات الشركات، وتعميق الشعور بالاستياء بين الشركات المملوكة للدولة، أصبح وضع جنوب أفريقيا الإقليمي والدولي ضعيفاً للغاية.
بالنسبة للكثيرين، يمثل رامافوسا العودة إلى القوة الوطنية. وقد تعهد بإعادة الثقة في إدارة شؤون جنوب أفريقيا، وتنشيط قيم الدمج الديمقراطي. وتعد تصرفاته البسيطة، مثل بدء الاجتماعات في الوقت المحدد، بمثابة خروج على نهج زوما الفاتر.
لكن إعادة المساءلة والحكم الرشيد إلى جنوب أفريقيا ستتطلب أكثر من مجرد الالتزام بالمواعيد. وستحتاج ثلاثة مجالات رئيسية فيها إلى اهتمام عاجل، إذا أراد الزعيم القادم للبلاد رسم مسار جديد.
يكمن التحدي الأول في استعادة الثقة في سيادة دولة القانون، وقد يكون ذلك صعب المنال. فقد قام زوما "بالاستيلاء" على الأعمال التجارية، وهيئة الادعاء الوطنية، وتعيينات مجلس الوزراء. وسوف يستغرق فك كل هذه الروابط وقتاً طويلاً. ولكن استعادة الثقة العامة في هذه المؤسسات الحيوية يجب أن تحظى بأولوية قصوى.
ثانياً، ستحتاج حكومة رامافوسا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإصلاح علاقة الدولة مع الشركات المملوكة للدولة. فقد اعتبر زوما هذه الشركات وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية، وأدى سوء إدارتها إلى تقويض النمو الاقتصادي والتنمية. فالاقتصاد الذي يعاني من الفقر وعدم المساواة والبطالة لن يتعافى أبدا إذا لم تشتغل محركات الثروة بشكل فعال.
فعلى سبيل المثال، ما يزال التعدين يسهم مساهمة كبيرة في اقتصاد جنوب أفريقيا؛ وإذا ما تمت إدارته بشكل صحيح، يمكن أن يكون القطاع أداة قوية لدعم نمو التصنيع في المراحل الأولى. وتتوافر جنوب أفريقيا على أكبر المعادن في العالم من الكروم والمنغنيز، والمعادن الضرورية لتصنيع السيارات الكهربائية، ومحركات الرياح، وغيرها من مكونات ما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة.
لسوء الحظ، فقد أساءت حكومة زوما استخدام موارد الثروة عن طريق إعادة توزيع الإيجارات المعدنية للزبائن المخلصين، ونتيجة لذلك، أصبحت الثقة بين صناعة التعدين والدولة معدومة. وتتمثل الطريقة الوحيدة لاستعادتها -وبالتالي زيادة التنقيب والإنتاج- في إصلاح التشريعات والتنظيم لضمان حماية أقوى لمصالح الصناعة.
ومن شأن استعادة الثقة والمساءلة في بيئة الأعمال جذب الاستثمار وخلق الوظائف وملء خزانات الدولة وتحسين إعادة التوزيع ولاسيما بالنسبة لذوي فرص العمل المحدودة. تعد هذه النقطة الأخيرة حلا فعالا؛ في السنوات الأخيرة، تعرضت برامج الرعاية الاجتماعية في جنوب أفريقيا للتهديد بسبب سوء الإدارة والتدبير، ولا يمكن إصلاحها إلا بعودة النمو الاقتصادي.
وأخيراً، سيحتاج رامافوسا إلى الاستثمار بكثافة في نظام التعليم في جنوب أفريقيا، وهو القطاع الذي أهمله زوما إلى حد كبير. وسيكون من الأفضل البدء بالتعليم الأولي، حيث كثيرا ما يحقق الإنفاق مكاسب ضخمة على المدى الطويل. ومع معدل بطالة الشباب حاليا بنسبة مذهلة 39 %، فإن توفير فرص العمل للمزيد من الشباب سيتطلب إعادة النظر في كيفية تدريب الأجيال المقبلة.
إن جنوب أفريقيا بلد صغير، ولكن مع القيادة الصحيحة للإصلاح، فإنها تستطيع أن تعيد النظر في دورها الإقليمي كقوة اقتصادية وسياسية. في الواقع، قد يكون هذا هو الوقت المثالي لإجراء تغييرات كبيرة؛ يشهد جزء كبير من أفريقيا تحولات مماثلة، مما قد يهيئ فرصاً جديدة للتعاون الاقتصادي. ففي زمبابوي المجاورة، على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي نهاية سوء حكامة روبرت موغابي إلى إحياء النمو المرتبط ليس بالموارد الطبيعية فحسب، بل أيضاً بالمنتجات والخدمات والتجارة ذات القيمة المضافة.
ومع اجتياز جنوب أفريقيا مرحلة انتقالها الرئاسية، يجب على البلاد إعادة تحديد دورها في المشهد الجيوسياسي المتطور. وتحقيقاً لهذه الغاية، على جنوب أفريقيا إعادة تأكيد دورها بوصفها فاعلاً مؤثراً، مع اتباع استراتيجية استثمار أكثر دينامية وفعالية وتكامل. وستكون الدبلوماسية القوية والتواصل التجاري أمراً ضرورياً، وينبغي لقادة جنوب أفريقيا اعتماد عضوية الأندية الاقتصادية، مثل مجموعة بريكس من الاقتصادات الناشئة الرئيسية (التي تشمل أيضا البرازيل وروسيا والهند والصين).
إن الجنوب أفريقيين مستعدون لقيادة جديدة. ولكن لتحقيق مستقبل يزخر بالتوظيف، والعدالة الاجتماعية، والحكم الرشيد، والمصداقية الدولية -العصر الذي مثله مانديلا- سيحتاج رامافوسا إلى العودة إلى الطريق الذي انحرف منه زوما على نحو فاضح.

*الرئيس الوطني لمعهد جنوب أفريقيا للشؤون الدولية.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق