ماذا يتعلم أبناؤكم في مدارسنا: نموذج المنتج التعليمي (4 - 4 )

تم نشره في السبت 3 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات -(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات *
مفهوم المنتج التعليمي
إن نتائج تحليل الكتب إضافة إلى استراتيجيات التدريس المستخدمة في مدارسنا، وثقافة المدارس وبيناتها، وثقافة وزارة التربية والتعليم، واستجاباتها المتواصلة للصوت الأقوى في المجتمع، من ايديولوجيا مسيسة، ونواب وحاملي فكر محدد، تمكننا من رسم ملامح عامة لخريج مدارسنا أو ما اصطلحت على تسميته "بالمنتج  الطلابي".
ويقصد بالمنتج الطلابي، ما يحمله الطالب الذي ينهي دراسته في مدرسة أردنية حكومية، أو أي مدرسة أخرى تقترب ثقافتها من ثقافة المدارس الحكومية وما يحمله من أفكار واتجاهات وسلوكات في مواجهة حياته ما بعد الدراسة، سواء الشخصية أو المهنية المستقبلية.
وسواء كان هذا المنتج من صناعة المدرسة بدرجة كاملة أو بتضامن المدرسة مع المفاهيم الاجتماعية السائدة. فإن المدرسة تعد منتجاً ناجزاً أو منتجاً ناجزاً بدرجة عالية، بحيث يسهل على أي جهة متطرفة الوصول به بسهولة إلى حيث تريد.
(2) مواصفات المنتج التعليمي
يمكن أن نحدد بعض المواصفات لهذا المنتج مع ملاحظة أن هذا المنتج هو طالب أردني سيقود المجتمع أو سينقاد للمجتمع في وقت ما:
1 - يعاني المنتج التعليمي الأردني من "سُمنة معرفية" ناتجة عن تكرس معلومات تراثية قديمة بعيدة عن حياته اليومية ومشكلاته. حيث يمكن لهذه السُمنة أن تؤدي الى "كولسترول معرفي" بدهون ثقيلة قد تغلق كل شراىين التفكير، بما يهدد بجلطة معرفية حادة.
2 - يشعر المنتج التعليمي "بأمن معرف" شامل يجعله مؤمناً بأنه يمتلك كل ما يحتاج اليه من معلومات ومهارات حياتية توفر له الاكتفاء الذاتي للمعرفة، فقد حددوا له كل المواقف والقرارات المطلوبة، وزودوه بمسطرة دقيقة تقيس له الصواب والخطأ. وأي نقطة تقع خارج هذه المسطرة هي تهديد لحقائقه وأمنه.
3 - ويتمتع هذا المنتج بالثبات المعرفي. فكل حقائقه خالدة لا يعتريها أي شك. وهذا الثبات جعله يقف على "خط دفاع معرفي" يصعب اختراقه.
4 -  وانتقل هذا المنتج عكس حركة الطبيعة وابتعد بالدنيا عن الأنسنة، حتى لكأن المطلوب رفض حياتك في الدنيا. 
 5 - واندهش هذا المنتج التعليمي بنصوص ساحرة تلهب الخيال، وامتلأت حياته الثقافية بأحداث زورت التاريخ، وصارت الاساطير الثقافية بديلاً للحقائق التاريخية، مثل: - اذا بلغ الرضيع لنا فطاماً.. - ونقلع عين اللي يعادينا... والحروب والانتصارات والنصوص الملهبة للمشاعر وصار هذا المنتج لا يناقش نصاً بل يخضع لسحر أي نص دون أي شك فيه.
6 - وتقمص هذا المنتج - دور الأستاذ - الذي يوجه الآخرين. وصور له جهله أنه سيد العالم، فبدلاً من ان نتتلمذ من العالم صرنا نمارس الأستذة عليه.
7 - ونظراً لأهمية حماية ما يمتلكه هذا المنتج من سمو معرفي صار يشعر أن أي أقلية تهدده، وأن أي سلوك حتى لو كان من قبيل تناول "سندويش في موسم ما أو مكان ما"، يهدد كل قيمه وثقافته ويشكل خطراً عليه.
8 - وزرع نظامنا التعليمي في ذهن منتجنا التعليمي أن أي مخالفة - للنظام الجمعي أو الرأي العام الجمعي هو خروج فاضح وخطير.
9 - ويكثر منتجنا المعرفي من اليقين "واليقينيات" فلم يعرف شكاً، وشعاره: إما أن تقبله كله أو تعرض نفسك للعقوبة، فأسرف كثيراً في الاعتقاد واليقين، ولم يمارس أي شك أو فحص أو حتى أي اقتصاد في الاعتقاد أو اليقين.
النقلات المطلوبة لتطوير المنتج التعليمي
إن شكل "المنتج التعليمي" صار واضحاً من طريقة تصرفاته وحتى أحياناً من شكله وشكل ملابسه، ومن نزفه في احتمال التخلف، ومن دعوته الجميع الى أن يلبسوا مثله ويتشكلون بشكله.
ولذلك ندعو الى النقلات الآتية:
- من تعليم يعلم اليقين إلى تعليم يعلم الاقتصاد والشك والفحص والمناقشة.
- من تعليم يقود الى تديين الدنيا إلى أنسنة الدنيا.
- من العقل الثابت الى العقل المتحول.
- ومن الهوية الجامدة الى هوية متفاعلة متجددة.
- ومن امتلاك لحلول جاهزة الى البحث عن حلول جديدة.
- من التمترس المعرفي الى الانفتاح.
- من السمنة المعرفية الى الرشاقة المعرفية.
- من الأمن المعرفي الذاتي الى القلق المعرفي الباحث.
- من السير على خط أفقي مستقيم إلى السير في كل اتجاه.
ان هذه النقلات تتطلب في النهاية نظاماً تعليمياً منفتحاً، وكما اوضحت في المقالات السابقة، فإن في قانون التربية والتعليم الاردني رقم 3 لعام 94، كل المواصفات لمنتج تعليمي حداثي، محاور، باحث، متأمل، فلم يترك قانون التربية ولا أهداف التربية أي مجال لاتهام من يطالب بالحوار والتفكير واحترام الآخر!!
إذن كل ما نطالب به تطبيق القانون لا أكثر.  ولسنترشد بقول جلالة الملك في الورقة السابعة بضرورة البعد عن الخوف والتردد في اتخاذ قرارات تربوية جريئة.
المطلوب العمل وفق القانون، ووفق ورقة الملك، بعيدا عن المخاوف والتهديدات، فلدينا مشتركات وطنية ومشتركات عالمية نبني مناهجنا وفقها. والمطلوب فقط أن نعمل بجرأة ووفق منطق التغيير او "فقه التغيير" بحيث لا نمكن أي جماعة من اختطاف التعليم مرة أخرى.

* مجتمع النهضة التربوي.

التعليق