علاء الدين أبو زينة

الكثير من التأليه..!

تم نشره في الأحد 4 آذار / مارس 2018. 01:08 صباحاً

حكمت محكمة مصرية مؤخراً على المطربة شيرين بالسجن ستة أشهر لأنها سخرت من نظافة نهر النيل. وقالت في إحدى الحفلات إن نهر النيل يسبب مرض البلهارسيا، في شطحة تبدو غير مقصودة ومن باب الاستظراف. وبالتأكيد، رأى القضاة أن الفنانة مسّت بذات نهر النيل، كرمز لا يجوز المساس به وكأنه إله. وكان النيل فعلاً إلهاً ذات مرة، أيام الوثنية، حين قدم له المصريون القدماء عروساً بكراً كل عام تقريباً.
الحكم على الفنانة شيرين بالسجن لهذا السبب يؤشر على جسامة عدد الأشياء والذوات التي يحرُم المساس بها قولاً أو فعلاً في بلادنا. صحيح أن نهر النيل عزيز على المصريين وعلينا أيضاً، لكنه في النهاية شيء من هذا العالم، له ميزات وعيوب. وكان يمكن أن تطلب شيرين من المحكمة الاستضاءة برأي لجنة علمية تفحص عينة من مياه النهر لترى ما إذا كانت قد تجنّت على النهر بما ليس فيه. لكن الموضوع كله ممجوج، وكان سيمضي في أي منطقة أخرى في العالم كشيء عادي لا ينتبه إليه أحد.
أما هنا، فلا حصر للعدد الهائل من الأشخاص العاديين والاعتباريين، والأماكن، والسياسات، والأفكار، والكيانات والعادات والأعراف التي يُمنع الحديث عنها بالنقد أو حتى المزاح. وعلى سبيل المثال، هناك عدد من الأفراد في تاريخنا ممن يجلب انتقادهم على صاحبه أكثر من السجن، مع أنهم في الحقيقة بشر يخطئون ويصيبون، وإنما أضفيت إليهم صفة القداسة وجُعلوا معصومين ومنزهين عن النقد لسبب غير معلوم.
وبالإضافة إلى ذلك، هناك محميّات شاسعة الأطراف من الأفكار التي لا تجوز مناقشتها والاختلاف معها واقتراح غيرها. ناهيك عن الممارسات الشعبية، والتكوينات السياسية، والمحرمات الدينية، والذوات الاعتبارية، وما لا يتسع المجال لذكره من المقدسات. وقد وصل الأمر إلى محاسبة الفرد على رأيه إذا تورط فأفصح عنه في موقع تواصل اجتماعي، حتى لو تحدث عن همومه وما يعجبه وما لا يرضيه مما يلامس عيشه اليومي. وما تزال مساحة ما يمكن الحديث عنه في تناقص مطرد.
ولا يقتصر الأمر في كثير من الأحيان على السلطات الرسمية لمحاسبة الفرد على ما يقوله أو يكتبه، وإنما كثيراً ما يتألب عليه الناس الآخرون ويرجمونه، وكأن رؤيتهم للذوات أو الأشياء المعنية تعطيهم حق التصدي لصاحب الرؤية الأخرى بالاغتيال المعنوي –وحتى الجسدي. وفي الحقيقة، لم يعد الأمر يتعلق فقط بالدولة البوليسية، وإنما هناك ثقافة بوليسية، ومجتمع بوليسي ومنظومة رقابة شرسة تحت الجِلد. وكأن كل شيء يحذرك لكي تمسك لسانك وتختصر كلامك، لأنك لم تعد تعرف ما الممنوع وما المسموح، وإلى أين يمكن أن يؤدي بك إفصاحك عن رأي تجاه أي شيء.
على الرغم من زعم غير ذلك، فإن عقيدتنا الاجتماعية ليست توحيدية في الممارسة. ولم يعد من النادر أن نرى الأفراد والأفكار والأماكن وهي تُقرن بالتأليه الصريح. ولولا بعض الخجل لأفردها عابدوها وحدها بالتقديس. لكنها تكون في الممارسة أكثر قداسة من المقدس نفسه، بحيث يمكن أن تكون العقوبة على المساس بمختلف أنواع الذوات الأرضية أكثر فداحة من المساس بالعلويات.
ربما يكون من المفهوم أن تستبد العاطفة الشعبية الجامدة بالناس الذين يستبد بهم شعورهم غير الصائب بالأحقية. لكن المنظومات التي تزعم قيادة المجتمعات إلى التطور وتتحمل المسؤولية عن ذلك لا ينبغي أن توافق. وإذا كان الناس يضيّقون المساحة بأنفسهم على أنفسهم، فإن مجتمعات مكونة من أفراد معلّبين وخائفين ومعادين يمارسون الرقابة على مواطنيهم ليست شيئاً جذاباً لأحد –اللهم إلا إذا كان هذا هو المطلوب. وفي الحقيقة، كلنا نعرف أن هذا كان مطلوباً دائماً وأنتج مسيرة إلى الوراء فحسب.
من الملفت ملاحظة أن الكثير جداً من الأشخاص والأفكار والأشياء التي لم تكن تجلّ عن النقاش والجدل قبل أكثر من ألف عام ذهبت الآن إلى مملكة المقدسات. وكان المصاحب الطبيعي لهذا التحول هو تحول العقل من العلم إلى الخرافة، وتحول المسير من التقدم إلى التخلف. وإذا كان قول أحد إن مياه نهر ليست نظيفة يرسله إلى السجن، يبدو أن مطلب إعادة إنزال الأرضيات إلى الأرض حيث تنتمي وتكسير كل هذه الأصنام المؤلهة، أصبح أملاً عزيزاً ميئوساً من تحققه.

التعليق