افعصوهم!!

تم نشره في الأحد 4 آذار / مارس 2018. 01:06 صباحاً

أيام المدرسة كل يوم تقريبا كنا نتهاوش، وبعضنا أكل بكسات وشلاليت أكثر مما أكل خبزا وبندورة، ومشجاراتنا لم يكن لها علاقة برفع الاسعار او الضغط النفسي فقد كان ثمن السندويشة شلن، والضغط الوحيد الذي كنّا نتعرض له إنْ ذهبنا لبيت الجيران لإحضار شوية سماق!
من النادر جدا ان تكون المشاجرات فردية بل اغلبها كانت جماعية وبين الحارات، وكان من المعيب ان لا تشارك ابناء حارتك غزواتهم لانك ستوصف بالمطسة، لذلك كنّا ندخل تلك الغزوات مجبرين لا مخيرين، ولأنني كنت مصنفا في ذلك الوقت بوزن الريشة كنت عند بدء المعركة أبحث عن من هم بمثل وزني حتى لا أصاب بكسور أو اصابات بليغة وحتى أصنع لنفسي موقفا بطوليا بأني بطحت أحدهم وأمشي في الحارة ممتشق القامة.
للأسف لم اوفق ولو لمرة واحدة بمنازلة من هم بمثل وزني فلم أكن أجدهم بالمعركة، بل عند بدئها كان يبحث أصحاب وزن الفيل من الحارة الأخرى عمن هم بوزني حتى يحققوا انتصارا سريعا وصدمة لأبناء حارتي؛ فعندما يشاهدونني مفعوصا انطق الشهادتين تحت هذا الفيل، سيؤدي ذلك الى إرهابهم وانخفاض معنوياتهم وخوفهم من الاستمرار حتى لا يلقوا مثل مصيري المحتوم.
كان كل ما يقوم به هذا الفيل ان يجلس على بطني فينقطع نفسي، وكان من لطف رب العالمين ان هذه المدحلة اذا جلست لا تستطيع الحركة، فأي حركة كان سيقوم بها كنت ستجد أمعائي الغليظة على أسطح الجيران.
كانت المعركة تنتهي بحضور المعلم المناوب، وكان الجميع يفرون باستثنائي أنا والفيل، فيحضر المعلمون لرفعه عني وكانوا يتعجبون أنني مازلت على قيد الحياة!
كان المعلم يتعاطف معي ولا يعاقبني على المشاركة في المشاجرة ويكتفي بشر العذاب الذي أذاقني إياه الفيل، بينما  يتم استدعاء ولي أمر الفيل وكتابة تعهد بأن لا يشارك الفيل بأي مشاجرة مرة أخرى.
لو كان في ذلك الوقت سوشال ميديا، والتقطت مقاطع فيديو للفيل وهو يفعص أمثالي، لأُعدم الفيل، وأُغلقت المدرسة، ولاستقال وزير التربية والتعليم، ولأعرب أمين عام الامم المتحدة عن قلقه من تنامي ظاهرة الفيل.
كلما كنا نعود لنتشاجر مرة اخرى كان الفيل فيه الخير لا يبحث إلا عني في المعركة، وفي إحدى المرات كنت مجازا فتم تأجيل المعركة إلى إشعار آخر، فبدوني لا يمكن أن يشعر الفيل بلذة النصر.
معركتنا مع الفساد تشبه معاركنا أيام المدرسة، ففيل الحكومة لا يبحث إلا عن فاسدين بوزن الريشة، ولو جمعنا قيمة المبالغ المادية التي يمكن ان نستردها من قضايا الفساد المحالة الى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد لوجدنا انها لا تكفي لدفع فاتورة كهرباء مبنى الهيئة، فأكبر قضية فساد لديهم الآن سرقة كرتونة زيت محرك من قبل سائق جرافة حكومية.
 مشكلة الاستثمار في بلدنا أن المستثمر قرف عيشته من مراجعة المسؤولين، فمنهم من يشترط أن يكون شريكا، ومنهم من يريد عمولة، ومنهم من يرسل له العائلة ليكونوا مستشارين.
نظرة واحدة الى العاملين في الاستثمارات الأجنبية في الاردن او الشركاء معهم نكتشف حجم معاناة المستثمر في الأردن؛ فهو يستثمر في عائلة لا في مشروع.
هؤلاء هم الفاسدون الحقيقيون، من يبتزون المستثمر للحصول على مكاسب شخصية، وهذا هو السبب الحقيقي لطرد الاستثمار من بلدنا.
تريدون استثمارا، ليتجرّأ فيل الحكومة ولو مرة واحدة ويفعص هؤلاء!

التعليق