هل الفن ترف؟!

تم نشره في الأربعاء 7 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

د. أنس ملكاوي*

جميعنا، حين نسمع كلمة "فن"، تتجه مخيلتنا إلى الموسيقا أو الرسم أو المسرح أو الفن التشكيلي أو غيرها من الفنون الأخرى، لكنَّ المتتبع لتاريخ الفن سيكون له رأي مخالف لذلك، حيث سيميل إلى تتبع التطور الذي طرأ على كلمة "فن" عبر العصور المختلفة، وما منحها ذلك التطور من معانٍ اعتمدت بدرجة كبيرة على الهدف أو الدور المنوط بالفن، أو الرؤيا التي تكمن خلف هذا المعنى أو ذاك. ولربما يجدر بنا الانتباه إلى أننا أمام وجه من أوجه النشاط الإنساني الذي لا يخضع للأحكام المطلقة ولا يعرفها، وليس من النشاط الإنساني نشاط أسرع في التطور، وأمضى في الحركة، وأبعد عن الثبات والجمود من النشاط الفني.
من المهم التأكيد على أن الفن ليس أمراً يتنافى مع حاجات المجتمع كما يعتقد البعض، فبالإضافة إلى دوره المهم في التغيير الثقافي وعكس الصورة الحقيقية للواقع، فهو يساعدنا، أيضا، على الإحساس بالجمال في معظم شؤوننا اليومية، حين نجد المعلم الفنان والطبيب الفنان والمهندس الفنان وكذلك المزارع الفنان وكل من يصنع الجمال في مجال عمله، ولا سيما أن الجمال هو الصفة الرئيسية المرتبطة بالفن عند معظم البشر.
لكن لو اتجهنا إلى الفن بمفهومه المتعارف عليه بين الناس على أنه الموسيقا أو الرسم أو المسرح أو غيره من الفنون الأخرى، فإننا نجده سلاحاً ذا حدّين، من الممكن أن يكون أداة هدم أو أداة بناء؛ والذي يحدد ذلك هو من يمسك هذه الأداة، فكثيراً ما نسمع العبارة الرائجة بين المجتمعات "أن الفنون بمجملها مرتبطة بأفعال وصنائع مخالفة للدين أو العادات والتقاليد أو القيم الأخلاقية"، لكن من يروّج تلك الشائعات يتناسى أن الفن مرتبط بالإبداع والعبقرية والجمال، وأن كل إبداع يبدعه الإنسان يطلق عليه فنّاً طالما يحقّق قيمة جمالية جوهرها الأساسي إرادة الإنسان. لكن، في الوقت ذاته، لربما لا نلقي باللوم على من يطلق تلك الشائعات أو يقتنع بها، لأنه مثلما هنالك فنانون ملتزمون بالأطر السليمة والراقية والمهذبة في تصميم وأداء أعمالهم الفنية، هنالك، أيضا، دخلاء على الفن - ولا أنعتهم بالفنانين-، قاموا بتشويه صورة الفن والفنان، من خلال أعمالهم التي تحوي تعابير منافية للوجدان والقيم.
على الرغم مما ذكرنا آنفاً عن أهمية الفن كحاجة مجتمعية ملحة في جميع مجالات الحياة، إلا أن هنالك اعتقاداً سائداً لدى كثيرين بأن الفن لا معنى له ولا قيمة، لكن لو تمعّنوا قليلاً بالنظر إلى موقع الفن حديثاً في الدول المتحضرة، لوجدوه قد احتل حيّزاً مهماً في خطط وبرامج التنمية المجتمعية كافة، بصفته مجالاً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجمال، لا بل وتصنيفه أحد أهم وسائل التعبير عن انفعالات الإنسان وعواطفه وخبراته، إلى جانب صلته الوثيقة بالتأثير الفعال على سلوك الإنسان وتوجيهه؛ فعلى سبيل المثال نسمع كثيراً هذه الأيام عن انتشار العلاج باستخدام الموسيقا والنتائج الإيجابية التي ظهرت على المريض المتلقي لهذا العلاج، كما أننا نشاهد الأفلام والمسلسلات التاريخية التي تتحدث عن المعنى الحقيقي للإسلام، والتي انعكست مشاهدها على سلوك الأجيال الحالية بأنْ رسخت في أذاهنهم المفهوم الحقيقي للإسلام بأنه دين محبة وتسامح ويسر، كما أننا نسمع الأغاني الوطنية والتربوية الهادفة التي انعكس مضمون أشعارها على سلوك المجتمع بأسره، بأن ساهمت في تعميق روح الانتماء لدى الشعوب واكساب الأطفال القيم الاجتماعية والأخلاقية والعادات السليمة.
بناء على ما تقدم، فإن إجابتنا عن تساؤل هذا المقال، تعتمد على الفنان نفسه، من خلال محتوى عمله الفني وأسلوبه في طرح هذا العمل، لكنّ ذلك لا يمنعنا من تقديم وجهة نظرنا في هذا الصدد، والتي مفادها أن الفن لم ينشأ كوسيلة للمتعة والترفيه، بقدر ما نشأ كشكل متميز من المعرفة الإنسانية عن الكون والحياة، وهو - من حيث هو ظاهرة إنسانية- لا يقل أهمية عن العلم أو الأخلاق في تحقيق التكامل النفسي أو الاجتماعي للإنسان.

* جامعة اليرموك – الأردن

التعليق