مغادرة جامعة النجاح

تم نشره في الأربعاء 7 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

 د. جودت أحمد المساعيد

يميل الأستاذ الجامعي أحياناً، وخلال عمله الطويل في جامعةٍ واحدة بعينها، إلى الانتقال من أجل العمل في جامعةٍ أخرى، وذلك في ضوء اعتبارات أو مبرراتٍ أو أسبابٍ متعددة، يتمثل أهمها في رغبته باكتساب خبراتٍ جديدةٍ، غير تلك التي أصبحت مألوفةً لديهِ كثيراً في جامعتهِ الأولى، ثم ميله إلى تغيير البيئة التعليمية التعلمية التي يمارسها مع طلابه داخل قاعات الدراسة أو خارجها، خاصة وأن الناس بصورةٍ عامةٍ يميلون إلى حبِ التغيير، بل وإلى رغبةٍ منهم أيضاً في تعديل الأنماط المعيشية اليومية التي يحيونها. كما أنه يدرك هو في هذه الحالة أيضاً، بأن التغيير سوف يؤدي إلى تجديد حياتهِ المهنية والخاصة، والعمل على تنويعهما ما أمكن، بل وتفعيل أنشطتهِ المختلفة فوق هذا  وذاك.
 وقد يضطر الأستاذ الجامعي أحياناً إلى تنفيذ ذلك الانتقال أو التغيير، بناءً على ظروف العمل من حولهِ، ونمط التعاقد الرسمي الذي عمل على توقيعهِ مع المسؤولين في هذه الجامعة أو تلك، أو بسبب الرغبة القوية لديه في تحسين وضعهِ المادي، ولا سيما إذا سنحت له الفرصة بالحصول على راتب أعلى يحقق له تنفيذ متطلبات الأسرة، وبخاصة متابعة الأبناء في مراحل التعليم العام والعالي، أو نتيجة لما قد يمر به من ظروفٍ قاسية يصعب عليه جداً تغييرها، أو حتى مجرد التخفيف من قسوتها على الأقل لو استمر في جامعةٍ واحدة، أو لأسبابٍ علميةٍ جوهرية مثل الحصول على شهاداتٍ أعلى، أو خبراتٍ أكثر تطوراً، مما يدفعهُ إلى عدم الاستمرار في وضعٍ يتعارض فيه مع رغباته أو معتقداته أو قيمهِ، أو طاقات التحمل لديه، ويجعله في نهاية المطاف يعمل بكل جهدهِ على تقديم استقالته من العمل. 
 لذا، فإنه وإن كانت معظم العوامل المشار إليها مسؤولةً عن انتهاء عملي في الجامعات التي قمتُ بالتدريس فيها من قبل، مثل جامعة الملك سعود بالرياض، وجامعة اليرموك في الأردن، وجامعة السلطان قابوس في سلطنة عُمان، إلا أن الأسباب وراء انتهاء عملي في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس الفلسطينية، كانت غير ذلك في غالبيتها، وتتصف بأنها كانت صعبة ومعقدة في وقتٍ واحد. فقد كان الدخول إلى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية للعمل من جانب حاملي جوازات السفر الأردنية، يتم عن طريق الحصول على تصريحٍ رسميٍ تستخرجه جامعة النجاح ذاتها عن طريق السلطة الفلسطينية ولمدة بضعة شهور فقط، ويتطلب من الشخص والجامعة التي يعمل بها العمل على تجديده بشكلٍ متكررٍ، مما يجعل من صفة الاستقرار أو الأمن الوظيفي صفاتٍ غير متوفرة مطلقاً.
 ما زاد الطين بلة، أنه بعد اندلاع اتنفاضة الأقصى في شهر أيلول (سبتمبر) من العام 2000، وما حصل من جرائم ضد أبناء الشعب الفلسطيني من تصرفات همجية لجيش الاحتلال الصهيوني، فقد أصدرت سلطات ذلك الاحتلال، تعليمات تؤكد على أنه يجب على جميع حاملي جوازات السفر الأردنية العاملين أو المتواجدين في مناطق السلطة الفلسطينية مغادرتها فوراً، ومن لم يفعل ذلك، فإنه يعتبر مخالفاً لقواعد الدخول إليها، وسوف يتحمل تبعاتها. وقد جاءت هذه التعليمات في أشد الأوقات حاجة لوجودي في جامعة النجاح الوطنية بنابلس. حيث كنتُ أعمل عميداً لكلية العلوم التربوية فيها، وأشرفُ على أكثر من عشر رسائل ماجستير، بالإضافة إلى أنني كنتُ أشرف على ثلاث أطروحات للدكتوراة لثلاثة من الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بجامعة عين شمس في القاهرة، مما يجعل من عملية تركهم في هذه مثل هذه الحالة دون إنجاز رسائلهم وأطروحاتهم العلمية، ضربة كبيرة لطموحاتهم المستقبلية، وعملاً لا يجوز أن أقوم به من الناحية العلمية والأخلاقية.
 وعلاوةً على ما سبق، فقد قمتُ بتشكيل فريقٍ بحثي يشمل ثلاثة من طلبة الدكتوراة، لإجراء بحوثٍ تدور حول تصرفات جيش الاحتلال القاسية من قتلٍ وتدميرٍ وحصارٍ وتجويعٍ واعتقال، وآثارها السلبية على نفسيات الطلبة والمعلمين والمديرين والمشرفين التربويين، بل والممرضين وسائقي السيارات العمومي، بصفتهم من أكثر فئات الشعب الفلسطيني تضرراً من الوسائل القمعية اليومية. وكانت عمادة البحث العلمي بجامعة النجاح الوطنية، قد وافقت رسمياً على دعم أحد عشر بحثاً في هذا المجال، مما يجعل تركها دون إنجاز ومغادرة الجامعة نهائياً، يمثلُ خسارةً علمية ووطنية كبيرة، ما دفعني إلى تأجيل عملية الخروج من فلسطين حتى تتم مناقشة جميع الطلبة لرسائلهم وأطروحاتهم العلمية، وحتى يتم الانتهاء من كتابة البحوث المشار إليها، والعمل على إرسالها إلى المجلات العلمية المحكمة تمهيداً لنشرها فيها حسب الأصول المتبعة فيها.
 وعلاوةً على كل هذا، فقد عانيتُ ومعي بعض أفراد أسرتي، من أشد أنواع المعاملة فظاظة وقسوة وإهانة من أفراد جيش الاحتلال الصهيوني خلال اقتحامات مدينة نابلس المتكررة، من تفتيشٍ غير عادي لكل ما في البيت، والخروج  مع جميع سكان العمارة عدة مرات خلال فصل الشتاء قارس البرودة، حيث يقومون بصلبنا على الجدران لعدة ساعات، والاعتقال لفتراتٍ قصيرة رغم توضيحي لهم بالإنجليزية، بأنني ضيفٌ على مدينة نابلس، وبترشيحٍ من اتحاد الجامعات العربية في العاصمة الأردنية عمان، وأعمل أستاذاً جامعياً وعميداً لكلية العلوم التربوية في جامعة النجاح وبشكلٍ مؤقت، ولكنهم لا يأبهون مطلقاً لكل العوامل الانسانية أو العلمية أو الأخلاقية، لأنهم يطبقون وبكل صراحةٍ، أجندةً مخفية وعلنية في وقتٍ واحد، عنوانها العريض هو الاحتلال والقهر والإذلال والقتل والتشريد والتدمير والاعتقال، دون رادعٍ من أي نوعٍ كان، من قوانين سماوية أو أنظمة أو تعليمات وضعيةٍ أو أخلاقيةٍ إقليمية كانت أو دولية. 
 كل هذا جعلني أخشى بأنه ربما يتم اعتقالي على يد قوات البطش الصهيوني في أي وقتٍ خلال فترة الانتفاضة، نظراً لمخالفتي لنظام الإقامة، لا سيما بعد انتهاء فترة التصريح الممنوحة لي بمدة طويلة، ما قد يؤدي إلى مستقبل مجهول، وإمكانية الزج بي في غياهب السجون المظلمة، التي من يدخلها لا يخرج منها في العادة إلا إلى القبر، ومن له حظ بالخروج في أحسن الحالات، فيخرج ومعه العديد من العاهات بعد  الكثير من السنواتٍ، وذلك في ضوء الأحكام العرفية المطبقة على مناطق السلطة الفلسطينية من جانب جيش الاحتلال، ما دفعني إلى بذل الجهود الإضافية مع طلبة الماجستير والدكتوراة المشرف عليهم، بمتابعة كل ما يكتبون أولاً بأول، وتوجيههم باستمرار، حتى استطيع مناقشة الرسائل أو الأطروحات العلمية الواحدة تلو الأخرى. لذا، فإنه عندما اقتربت هذه المهمة من نهايتها، قمتُ بتقديم استقالتي رسمياً إلى إدارة الجامعة.
 وقد حاول المسؤولون في تلك الجامعة إقناعي بالعدول عن الاستقالة، ولا سيما من جانب رئيسها آنذاك أ.د. رامي الحمدالله، ولكن عندما أوضحتُ له ظروفي كافةً، وافق مشكوراً على ذلك. ولم يبقَ عندي وقتها سوى الاستعداد للعودة إلى الأردن عند الانتهاء من تدريس بعض مقررات الفصل الدراسي الجامعي الثاني المكلف بها، وذلك في منتصف شهر حزيران (يونيو) من العام 2003. وبعدها أقام الزملاء في كلية العلوم التربوية حفل وداعٍ لطيف، تمّ فيه استذكار المحطات المختلفة خلال السنوات الأربع التي قضيتها في التدريس والعمل الإداري الأكاديمي الجامعي، سواء في مركز مدير المكتبات الجامعية، أو رئاسة قسم الدراسات العليا، أو عمادة كلية العلوم التربوية.
 يتضح مما سبق وبشكلٍ يتمشى مع المنطق، بأن كل بدايةٍ من البدايات لا بد أن يتبعها نهاية، مهما حاول الإنسان الإخلال بهذا المبدأ، إذ ينبغي عليه أن يستجيب له في نهاية المطاف. ومع ذلك، فإن وقت هذه النهاية يظل مجهولاً في أغلب الأحايين، حتى تكتمل الظروف أو الشروط الملائمة لحدوثه، والتي قد تكون كثيرة أو قليلة، عادية أو استثنائية، مقبولة لنا أو مرغمين عليها، من أجل أن تتم عملية التغيير المنشودة، التي هي في الواقع تعكس طبيعة الحياة المتغيرة بجميع جوانبها، سواءٌ شئنا أم أبينا.

التعليق