د.أحمد جميل عزم

قراءة نظرية في وقف المسلسلات التركية

تم نشره في الخميس 8 آذار / مارس 2018. 01:04 صباحاً

أعلن يوم الجمعة الفائت، عن وقف عرض المسلسلات التركية على مجموعة قنوات تلفزيون MBC، مع أنباء عن وقفها أيضاً، في قنوات أخرى. لهذا القرار أهمية سياسية، يمكن فهمها عبر تطبيق مصطلحات في علم العلاقات الدولية، والاقتصاد السياسي. أولها، "الطباعة الرأسمالية"، والثاني "القوة الناعمة"، والثالث "المركنتلية".
لقد كانت بداية عرض هذه الدراما قبل سنوات لأسباب تجارية مثلها مثل عرض مسلسلات أميركا اللاتينية المدبلجة قبل ذلك، والهندية بعدها، وسوى ذلك. وهذا ما يمكن فهمه في عالم التجارة والصناعة المرتبطة بالهوية، وبالعولمة، في آن، بالمصطلح الشهير، الذي يرتبط بالعالم بندكت أندرسون أكثر من غيره، الطباعة الرأسمالية، أو capitalist print. أي السعي لتحويل الفن والكتابة والإعلام لتجارة وسلعة، ولكنها تجارة تؤدي إلى خلق تفكير جديد يؤثر في الهوية. ولاقت المسلسلات التركية نجاحاً، عربياً، ربما أكبر من غيرها لأنّها أقرب ثقافياً وتاريخياً وهوياتياً للعرب.
شعر الأتراك الرسميون بالفائدة الكبيرة لهذه الدراما، حيث نشّطت السياحة إلى تركيا، وحببت الجمهور العربي بالمنتج التركي، بل ونسي العرب احتقان سنوات نهاية الحكم العثماني، وصار عند الكثيرين حنين للعهد العثماني. وصارت تركيا، (طبعا مع وجود أسباب جاذبة أخرى كثيرة) قبلة السياحة العربية بدلا من بيروت والقاهرة كما كان عليه الأمر في الخمسينيات والستينيات. وكما علمت من عاملين في مجال القنوات التلفزيونية، كافأت الحكومة التركية قنوات بثت هذه المسلسلات بعقود إعلانية ضخمة تروج للسياحة في تركيا. فتضاعفت مكاسب القنوات؛ من جهة أرباح تزايد المشاهدين والإعلانات التجارية العادية المرتبطة بعدد المشاهدين. وثانياً، معلن جديد من تركيا. لقد شكلت المسلسلات التركية أنموذجاً صريحاً، لمفهوم القوة الناعمة، لصاحبه جوزيف ناي، أي أن تكون الدولة جذابة ويقبل عليها الآخرون، دون أن تدعوه صراحة ودون إجبار.
كانت الضربة الأساسية لفكرة القوة الناعمة التركية، من قبل الحكومة التركية ذاتها. فهي انتقلت من القوة الناعمة إلى الصلبة والمباشرة الهجومية. باستخدام القوة العسكرية والاقتصادية أداة في سياساتها في المنطقة. وليس المقصود هنا محاكمة السياسات التركية أو القول إن كانت مبررة أم لا، وأين أصابت وأين أخطأت، وأين وقفت مع الحق العربي أو لا. ولكن الحقيقة أنها تدخلت عسكرياً وسياسياً في شؤون عربية داخلية، أو بينية، مثل التدخل في سورية، ودعم الإخوان المسلمين في مصر حتى بعد خروجهم من الحكم، ولعبت دوراً في الأزمة القطرية الخليجية. نبّه هذا، أو زاد الترقب بشأن السياسات التركية. وخصوصاً ما يمس مخاطبة الشعوب، ودعم تيارات سياسية بعينها، وفتح أبواب المدن التركية لها كقاعدة عمل (على غرار ما كانت بيروت مثلا في الخمسينيات والستينيات هي القاعدة).
هناك جو عربي مشغول أصلا بأهمية القنوات الفضائية والإعلام والمنابر السياسية والفكرية. وعموماً زادت الدول العربية في السنوات الأخيرة من إحكام قبضتها على الإعلام الجماهيري. لم يعد هامش الاستقلالية أو زعم الاستقلالية، لقنوات فضائية عربية تملكها حكومات أو حتى مستثمرين، تعمل من داخلها وخارجها مطروحاً، كما كان في فترة الصعود اللبرالي، في التسعينيات من القرن الفائت. بل صار اتصال وتدخل الحكومات أكبر في الإعلام الرسمي وغير الرسمي، عبر أدوات تبدأ بالتحكم بالإعلانات وصولا للأمر السياسي المباشر. وهذا يجسد موجة من تراجع اللبرالية الاقتصادية، لصالح دخول العالم، بما فيه الدول العربية الخليجية، عصراً جديداً، اقتصادياً وسياسياً.
فالدول العربية عموماً، والخليجية منها، هيمن عليها نمط الاقتصاد الأبوي طوال عقود، حيث الحكومات توزع الثروة والإمكانيات. وفي تسعينيات القرن الفائت، وحتى نحو العام 2010، أي في عصر ما بعد الحرب الباردة، وظهور ما سماه فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ" بمعنى انتصار اللبرالية واقتصاد السوق، اتجهت هذه الدول لنوع من تحرير الأسواق. ولكن مع الأزمة المالية 2008، ومع الربيع العربي 2010. عادت المركنتلية بقوة (سيطرة السياسة على الاقتصاد). فوضعت الضرائب، والرسوم، والعمل على السيطرة على الإعلام.
دخلت المسلسلات التركية في سياق رأسمالية ولبرالية الأسواق الإعلامية، وتحولت لقوة ناعمة تركية. وربما تخرج الآن، بظهور النزعة العثمانية والقوة الصلبة التركية، ولوجود اتجاه عالمي وعربي نحو مركنتلية اقتصادية بعيدا عن اللبرالية، تسيطر فيها السياسة على الاقتصاد والإعلام.             

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اخالف الكاتب الرأي (Dr. Basem USA)

    الخميس 8 آذار / مارس 2018.
    تم تحميل الموضوع ما لا يحتمل. للعلم هذه المسلسلات التركية لا تعكس الثقافة التركية لا من قريب ولا من بعيد. الموضوع اخيرا العرب قررت ان الاوان قد ان لاستعمال المل العربي والسوق العربي الضخم كسلاح لا اكثرولا اقل. المشاهد العربي سيبقى على قيد الحياة بعد وقف المسلسلات التركية.