غزة، وسط التحذيرات من الانفجار، والإحساس بالهجران

تم نشره في السبت 10 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • عامل فلسطيني يحمل كيس طحين داخل مكاتب الأمم المتحدة في جنوب قطاع غزة – (أرشيفية)

دينا كرافت –  (كرستيان سينس مونيتور) 15/2/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في غزة المكتظة بسكانها، هناك نقص في الوظائف، والغذاء والماء والكهرباء، مع تحذيرات من انهيار وشيك للقطاع. والأطراف التي يبدو أنها تريد إحداث فرق –حماس، وفتح، وإسرائيل ومصر- لم تُحدثه.
*   *   *
تل أبيب – محمد التلباني مصمِّم على إبقاء مصنع البوظة والبسكويت الذي أنشأه قبل 41 عاما في قطاع غزة عاملا. ويدعم المصنع عائلته الكبيرة و300 عامل. ولكن، في خضم العاصفة المتصاعدة للأزمة السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تجتاح الجيب الصغير المحاصر، يقول التلباني إنه أصبح مغلوبا على أمره.
مع أربع إلى ثماني ساعات فقط من توفر التيار الكهربائي في اليوم، من الصعب إبقاء الآلات تعمل لصنع حلوياته، كما يقول، ويستطيع فقط أن يتدبر أمر دفع أجرة العمال عن 12 وردية في الشهر. ثم هناك محلات السوبرماركت التي لا تستطيع تجميد البوظة، والآباء الذين لا يملكون النقود لشراء الأشياء لأبنائهم على أي حال.
يقول التلباني: "هذه أسوأ فترة في حياتي كلها. كنا قد عشنا في السابق أوقاتا صعبة حقا. لكن كل شيء أكثر صعوبة هذه المرة. يوجد طعام هنا، ولكن من هو الذي يمتلك النقود ليشتري أي شيء؟ الناس يأكلون الطحين والماء، والقليل من الشاي، وهذا كل شيء. وإذا استطاعوا، فإنهم يشترون بعض العدس أو الحمص أو الفول".
تعرض التحديات التي يواجهها التلباني صورة صغير للمشاكل الأوسع التي تعاني منها غزة، القطاع الساحلي الفقير المُعدم بين إسرائيل ومصر، والذي لا تزيد مساحته عن حي منهاتن، حيث يعيش مليونا إنسان في واحدة من أكثر الأماكن المأهولة كثافة بالسكان على وجه الكوكب.
يُقدَّر أن 70 في المائة من الغزيين يعتمدون على المساعدات الإنسانية، كما تقول منظمة "هيومان رايتس ووتش". ويبلغ معدل البطالة الإجمالية في السكان 43 في المائة، كما يقول البنك الدولي، وترتفع هذه النسبة إلى نحو 60 في المائة بين الشباب، والكثيرون منهم خريجو جامعات مع القليل جدا من فرص العمل. كما أن الأدوية في القطاع شحيحة، ويعتمد الناس على المياه المعبأة في زجاجات لأنه لا يمكن العثور على ماء صالح للشرب، والتجار يملأون السجون لأنهم لا يستطيعون الوفاء بديونهم.
شعور بالهجران
يحيل المحللون الأزمة الحالية، في جزء منها، إلى الفراغ السياسي الناجم عن محادثات المصالحة المتوقفة بين قيادة حماس المحلية والسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح والتي تحكم الضفة الغربية. لكن اقتصاد غزة عانى من الاختناق منذ فترة طويلة بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من عقد –والذي فُرض عندما صعد المتشددون الإسلاميون من حماس إلى سدة السلطة- وحدَّ من حرية الناس والبضائع في التنقل من القطاع وإليه.
ولكن، إذا كانت معرفة مصدر المشكلة يمكن أن تشير غالبا إلى الخطوات الواجبة لحلها، فإن محنة الغزيين المتفاقمة لم تحفز أيا من الفاعلين الرئيسيين –حماس، وفتح، وإسرائيل ومصر- على تغيير المسار. كما لا تستجيب الولايات المتحدة، والعالم العربي، أو الدول المانحة بشكل عام، للأزمة بشكل عاجل، وهو ما يسهم في خلق شعور متزايد لدى الغزيين بأن الجميع قد هجروهم وتخلوا عنهم.
يتساءل مخيمر أبو سعدة، أستاذ السياسة في جامعة الأزهر في غزة، والذي ينتمي إلى الأقلية من الغزيين الذين لديهم وظيفة ويتقاضون رواتب كاملة: "هل هناك من طريقة لنقول إننا نسير من سيئ إلى أسوأ إلى كارثة"؟
في الأثناء، ما تزال المباني السكنية والتجارية، بما فيها جزء من مصنع التلباني –التي قصفتها الصواريخ الإسرائيلية خلال السلسلة الأحدث من الحروب الثلاثية مع حماس في السنوات العشر الأخيرة- شبه أنقاض في انتظار الأموال ومواد البناء اللازمة لاستكمال إعادة البناء.
عمل النزاع بين حماس وفتح على المزيد من عرقلة الاقتصاد الهش أساسا. وعمدت حماس المجردة من النقود إلى تخفيض رواتب موظفيها البالغ عددهم 43.000 بنسبة 40 في المائة، في حين خفضت فتح رواتب نحو 60.000 من العاملين لدى السلطة الفلسطينية بنسبة 30 إلى 50 في المائة. ويُنظر إلى ذلك على أنه مسعى لممارسة الضغط على حماس حتى تقبل بشروط اتفاق المصالحة، والذي سيشهد استعادة السلطة الفلسطينية السيطرة على غزة.
ذكرت التقارير أن مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، حذر هذا الشهر من أنه إذا لم تتول السلطة الفلسطينية السيطرة هنا، فإن "غزة تنذر بالانفجار في وجهنا مرة أخرى، وإنما بطريقة أكثر فتكا وعنفا هذه المرة مما كان في الماضي".
وبالمثل، حث الجنرال غادي إيزنكوت، رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الحكومة الإسرائيلية على التصرف، محذرا من أن غزة تقف على شفا الانهيار، وهو ما يشكل خطرا محتملا على إسرائيل.
يقول الذين يعيشون في غزة أن أفضل شيء تستطيع إسرائيل أن تفعله للمساعدة سيكون إنهاء الحصار الذي فرضته على القطاع في العام 2007، عندما قامت حماس بدفع فتح إلى خارج غزة في جولة من سفك الدماء. وقد ترك ذلك القتال ندوباً عميقة ومشاعر استياء بين الخصوم، والتي يتبين أن من الصعب شفاؤها على الرغم من اتفاق المصالحة الذي وُقِع في الخريف الماضي.
على الرغم من أن إسرائيل لم تعد متواجدة فيزيائيا في غزة –حيث سحبت قواتها ومستوطناتها في العام 2005- فإنها تسيطر على المعابر الحدودية إلى إسرائيل، وعلى مجال غزة الجوي ومياهها الإقليمية. وتبرير حصارها، الذي راوح بين التشديد والتخفيف بالتناوب على مدى السنوات، هو أن حماس ما تزال عاكفة على تدمير إسرائيل. وقد نتج عن التوترات بسبب الحصار، وبسبب إطلاق الصواريخ الدوري ومحاولات التسلل من غزة، نشوب ثلاثة حروب بين إسرائيل وحماس، والتي كانت حصيلتها مدمرة على سكان القطاع.
يصف ميرام مرمور، الناطق باسم "غيشا"، المنظمة الإسرائيلية غير الربحية التي تعمل لتعزيز حرية حركة الفلسطينيين، يصف الحصار بأنه "سياسة حرب اقتصادية ضد القطاع"، والتي يقول إنها جزء من هدف إسرائيلي أكبر هو قطع غزة اقتصادياً وسياسياً عن الضفة الغربية.
في العام 2006، وفي ردها على اختطاف واحد من جنودها، قصفت إسرائيل محطة الكهرباء الوحيدة في غزة. وأدى الهجوم إلى شل البنية التحتية للكهرباء في القطاع، والذي لم يتعافَ بشكل كامل بعد ذلك. ومنذ ذلك الحين، ازدادت احتياجات غزة من الكهرباء فقط بينما يتضخم سكانها، في حين استمرت الشبكة في التدهور. وفي الآونة الأخيرة، خفض الفلسطينيون جزئيا دفعاتهم إلى إسرائيل مقابل الكهرباء المستوردة لستة أشهر، مما أفضى إلى مزيد من الانقطاعات في التيار الكهربائي.
تركيز مصر مشتت
كما تفاقمت الأزمة أيضا بانهيار المفاوضات بين فتح وحماس. ويعود بعض اللوم، كما يقول المحللون، إلى مصر التي كانت ترعى الاتفاق، لكنها أصبحت غائبة الآن بينما تركز انتباهها على محاربة المتمردين الإسلاميين في سيناء وعلى الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في الشهر المقبل.
تبنى الرئيس عبد الفتاح السيسي نهجا متشددا ضد حماس، بسبب قلقه من روابطها مع العناصر الإسلامية المتطرفة داخل مصر. وقد دمرت مصر أنفاق تهريب حماس بين غزة ومصر، التي كانت مربحة جداً لحماس وطريقة للالتفاف على الحصار الإسرائيلي. كما تسبب رفض مصر إبقاء معبرها الحدودي مع غزة مفتوحا باستمرار في خنق كبير لاقتصاد القطاع.
وفي الأثناء، تشتد حدة المشاحنات بين فتح وحماس كثافة. ويقول الأستاذ أبو سعدة: "بشكل أساسي، هناك فراغ سياسي بحيث لا يتحمل أحد المسؤولية عن المصاعب في غزة. كل طرف يلوم الآخر فقط".
ويقول ساري باشي، مدير فرع إسرائيل/ فلسطين في منظمة هيومان رايتس ووتش: "أخشى أن الجميع ينظرون إلى غزة كنوع من المختبر ليروا كيف يكون رد فعل الناس هناك أكثر من كونهم يعاملونهم كبشر يجب احترام حقوقهم. وتتحمل إسرائيل مسؤولية أساسية لأنها الطرف الذي يسيطر على الحدود، لكن السلطة الفلسطينية وحماس تتحملان المسؤولية أيضا لأنهما تستطيعان، بل يجب أن تفعلا ما هو أفضل".
كما أن تهديدات الرئيس ترامب بقطع التمويل عن الفلسطينيين، خاصة من خلال الأونروا، وكالة الأمم المتحدة المعنية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين، إذا لم يعد الفلسطينيون إلى محادثات السلام مع إسرائيل، تزيد من تأجيج المخاوف.
مانحون مترددون
في بروكسل، وفي اجتماع طارئ للدول المانحة، اقترحت إسرائيل خطة بكلفة مليار دولار للمساعدة في إعادة تأهيل غزة. ووفقا للخطة، وعلى أساس توصيات من المنظمات الإنسانية، سوف تساعد إسرائيل في بناء مرافق لتحلية المياه وإنشاء أربعين خطا للكهرباء والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى المساعدة في رفع سوية المنطقة الصناعية في إيريز، معبر إسرائيل الحدودي الرئيسي مع غزة.
لكن المانحين للفلسطينيين كانوا مترددين في الفترة الأخيرة في منح مزيد من الأموال لغزة. ويعتبر الكثيرون هذه الأزمة مصنّعة سياسية، من صناعة كل من الاقتتال الداخلي الفلسطيني وإسرائيل، كما يقول جيرالد روكينشاوب، رئيس مكتب "منظمة الصحة العالمية" في الضفة الغربية وغزة.
تم إطلاق حملة طوارئ لجمع التمويل على أمل أن يساعد ذلك في حل الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحا للقطاع في المدى القصير. ويقول السيد روكينشاوب: "ولكن، لا يمكن سوى لحل سياسي أن يفضي إلى حل دائم ومستدام".
وفي الأثناء، ثمة حديث متزايد في شوارع غزة عن إقامة مظاهرة جماهيرية سلمية حاشدة على طول السياج الحدودي مع إسرائيل. وسوف يتدفق الناس بعشرات الآلاف في اتجاه السياج وهم يحملون أطباقا فارغة في أيديهم. ويقول أبو سعدة: "كرمز لجوعهم. هذا واحد من السيناريوهات المطروحة على الطاولة –وهو شيء يجب أن يحدث لإنهاء هذا الوضع".
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: In Gaza, amid warnings of an explosion, a sense of abandonment

التعليق