كما تكونوا يولى عليكم

تم نشره في السبت 10 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

يديعوت أحرونوت

يورام يوفال   9/3/2018

دولة إسرائيل هي دولة خاصة، تكاد تكون غير عادية من كل النواحي. فإلى انجازاتنا الكثيرة قد تضاف قريبا ذروة اخرى: هناك احتمال في أن نكون الديمقراطية الأولى في القرن الـ 21 التي ستتشرف بإرسال رئيسي وزراء إلى السجن، بتهمة الفساد، الواحد تلو الآخر.
لقد قضى اولمرت محكوميته وخرج إلى الحرية. ومن شأن نتنياهو ان يجد نفسه، بعد الكثير من الالتواءات والتقلبات، في سجن معسياهو. فطواحين العدالة عندنا تطحن ببطء شديد حين يدور الحديث عن اناس اقوياء، لامعين ومؤثرين، ولكن في الغالب، في نهاية اليوم فإنها تقوم بعملها. لماذا يحصل هذا لنا؟ هل نحن ببساطة دولة فاسدة على نحو خاص، تنمي سياسيين فاسدين على نحو خاص؟ اعتقد أن لا. ففي معظم مقاييس الفساد المتبعة في العالم نحن في مكان جيد في الوسط، في تصنيف الدولة الديمقراطية. ليس لك شيء رائعا هنا، هذا صحيح، ولكننا لسنا سدوم وعامورة. برأيي مشكلتنا، التي بسببها كثيرون جدا في قمة الحكم في إسرائيل يصابون بالفساد، هي اخرى: نحن اناس ليس لنا حدود.
نحن عديمو الحدود، بكل معنى الكلمة. إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي ترفض بعناد، منذ أكثر من خمسين سنة، لترسيم حدودها، حتى في الخرائط الرسمية. ذكروني، أين تنتهي إسرائيل؟ على طول نهر الأردن؟ وربما في حدود الخط الأخضر، ذكروني رجاء؟ اما على طول جدار الفصل في يهودا والسامرة؟ هذا ليس واضحا، ولكن صدفة.
نحن لا نريد أن نعرف، وبالأساس لا نريد أن نقول، اين نحن نبدأ واين نحن ننتهي. عندما يرى الإسرائيليون حدودا، فإنهم على الفور يبدؤون بالتفكير كيف يوسعونها وكيف يجتازونها. اسألوا مصر، اللبنانيين، السوريين، الفلسطينيين وكل من دفعهم حظهم المتعثر إلى الدخول في مواجهة مسلحة معنا. هذه تجربة ما كنت لأوصي بها أحد.
من اين جاء هذا، هذا الموضوع مع انعدام الحدود لدينا. انا لا اعرف، ولكن عندي تخمين. لقد اقام دولة إسرائيل أناس تمردوا على اهاليهم وركلوا قوانين وقواعد المجتمعات التي ولدوا فيها. فقد وصلوا إلى هنا كي يبدؤوا كل شيء من جديد، على طريقتهم.
 لقد خجل المواليد الجدد من اهاليهم الذين عاشوا في المنافي، وبالأساس لم يأبهوا بهم ولم يأبهوا بقواعدهم وبحدودهم. وهكذا تربى هنا في البلاد ملايين الاشخاص ممن يعلم الله كم هم جيدون في فحص الحدود. ويحبون جدا ان يروا ماذا يمكن عمله دون أن يمسك أحد بتلابيبهم. برأيي، هناك سببان يجعلان نصف الإسرائيليين يواصلون تأييدهم لنتنياهو، رغم أن يديه ملطختان بالشمبانيا الوردية: أولا، ليس واضحا عندنا اين تنتهي علاقات ساعدني واساعدك بين المعارف والاصدقاء واين يبدأ الفساد العاري.
في دولة كل الناس فيها اخوة وكلهم اصحاب، دولة يجلب فيها الصديق صديقه، من الصعب أن نعرف اين بالضبط تمر الحدود بين نشاط العلاقات العامة ومجموعات الضغط، التي تنبعث رائحة كريهة في عملها ولكنها قانونية، وبين الفساد الجنائي لمجرمي المال- الحكم- الصحيفة.
صحيح حتى اليوم، فإن معظم الشعب في إسرائيل يكره المحكمة العليا. وسهل جدا على سياسيينا النشطين التحريض ضدها والتنكيل بها. فكلمتي "سلطة القانون" ببساطة لا تتحدث إلى معظم جمهور الناخبين هنا ونتنياهو يفهم هذا جيدا. هذا يجلبني إلى السبب الثاني الذي برأيي يجعل نتنياهو سيواصل التمتع بتأييد جماهيري واسع حتى من خلف القضبان: في خفاء قلوبنا نحن نريد أيضا ان نكون مثله بعض الشيء. كثيرون جدا هنا يحبون فحص الحدود، المناورة في المجال الغامض الذي بين المسموح والممنوع، شد حدود الممكن والنجاح في التملص بسرعة ممن يحاول الامساك بتلابيبهم.
ثمة في اليهودية وفي اليهود أيضا اساس تآمري وتمردي. هذه ميزة طبيعة وطنية، ترافقنا كالظل منذ 3500 سنة. منذ أن دخل أبونا ابراهيم في جدال مع الرب على عدد الاولياء المطلوبين من أجل انقاذ سدوم، ونحن نحب أن نرى ما الذي يمكن تحقيقه من خلال خليط من الوقاحة، المبادرة، الدهاء والاستعداد لفحص الحدود.
للميل اليهودي والإسرائيلي لاجتياز الحدود ولتجاوز القيود توجد أيضا فضائل: بعض مما يجعل الجيش الإسرائيلي جيشا ناجعا وخطيرا بهذا القدر لأعدائه هو هذه الروح، التي تشكل جزء من التعليم والترابط بين كل القادة والمقاتلين عندنا. فتعابير "السعي إلى الاشتباك"، "استغلال النجاح" و"هذا ما يهو موجود وبه سننصر" ليست مجرد كليشيهات بل أيضا مزاج يؤدي إلى الصحوة، الارتجال، وفي نهاية المطاف إلى الانتصار.  هذا صحيح ليس فقط في الجيش. الوقاحة، المبادرة، التفكير من خارج العلبة والرغبة في فحص الحدود والقيام بالمتعذر هي جزء من المواد الخام للكثير من المبادرات والابتكارات التي نشأت هنا، وجعلت إسرائيل امة الاستحداث التي نرغب جدا التباهي بها.
وعليه، ختاما، هل يمكن هذا وذاك أيضا؟ هل سنتمكن من أن نكون مبادرين شجعان ووقحين دون أن نكون فاسدين، نحن الاستمتاع ومجرمين؟ أعتقد أن نعم. في السبعين سنة للدولة كان لنا بعض من رؤساء الوزراء، من اليمين ومن اليسار، ممن اعطوا قدوة شخصية وجميلة لمثل هذا السلوك.
انا أتحدث عن دافيد بن غوريون وعن مناحيم بيغين، عن ليفي أشكول وعن يتسحاق شمير. هذا ليس في السماء، وهذه ليست اسطورة، هذا سيستغرق زمنا. ولكن بعد أن تنتهي قصة نتنياهو وتكون من خلفنا، سنتمكن، ربما، من عمل الشيء الذي نجيده حقا. ان نبدأ من جديد، منذ البداية.

التعليق