سورية في حاجة ماسة إلى رسم مسار نحو الاستقرار

تم نشره في الاثنين 12 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً
  • نتنياهو يعرض ما يقول إنها قطعة من طائرة مسيرة إيرانية أُسقطت فوق إسرائيل في مؤتمر ميونخ للأمن - (أرشيفية)

ديفيد إغناتيوس* - (ريل كلير بوليتكس) 24/2/2018

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

كانت الصورة البارزة من مؤتمر برلين الأمني الذي انعقد في شباط (فبراير) هي صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وهو يعرض بطريقة مسرحية قطعة من طائرة إيرانية مسيرة تم إسقاطها فوق إسرائيل مؤخراً، وقوله محذراً طهران: "لا تختبروا عزيمة إسرائيل". فهل تتجه إسرائيل وإيران نحو الحرب في إطار تنافسهما الجديد على النفوذ وسط ركام سورية؟ ربما لا، لكن لعبة دقيقة من الوقوف على حافة الهاوية بدأت بكل تأكيد. ويكافح صانعو السياسة في واشنطن والقدس وموسكو وطهران من أجل تحديد القواعد وإعلانها.
تشكل المواجهة بين إيران وإسرائيل أخطر عامل جديد في سورية التي أصبحت مرة أخرى مسرحاً للمعارك الوحشية بعد أشهر عدة من الهدوء النسبي. ويحاول النظام السوري حالياً سحق المقاومة في الغوطة، إلى الشرق من دمشق؛ حيث تلقى الثوار في الماضي دعماً من وكالة المخابرات المركزية الأميركية، لكنهم الآن يكافحون وحدهم من دون مساعدة. وكان سفك الدماء هناك مرعباً إلى درجة أن مجلس الأمن الدولي النابع للأمم المتحدة ناقش مشروع قرار لوقف إطلاق النار لمدة 30 يوماً. لكن روسيا قاومت المشروع وتريد بوضوح استكمال الحملة الدموية.
تشكل هذه الصورة القاتمة الجديدة من النزاع السوري إعادة لتجربة حصار حلب -مع الخطر الجديد المضاف لنشوب حرب إقليمية بين إسرائيل وإيران. وهذه المشكلة الأخيرة هي التي تقلق أكثر ما يكون المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، خاصة بعد إسقاط طائرة (إف 16) إسرائيلية أثناء ضربة انتقامية بعد حادثة الطائرة الإيرانية المسيرة.
وكان مسؤول رفيع في إدارة الرئيس الأميركي ترامب قد أعلن في الفترة الأخيرة تلخيصاً لاستراتيجية الردع ضد القوات الإيرانية في سورية: يجب أن تحتفظ إسرائيل بحرية العمل لضرب التهديدات الإيرانية في أي مكان في سورية؛ ويجب على الولايات المتحدة وروسيا توسيع المنطقة العازلة في جنوب غرب سورية؛ حيث لا يسمح للقوات المدعومة من إيران بالعمل. وتبلغ مساحة تلك المنطقة العازلة حالياً حوالي 10 كيلومترات، وتنوي الولايات المتحدة توسيعها إلى 20 كيلومتراً.
لكن هذه المعادلة البسيطة لا تتعامل مع الأسئلة الأكبر التي تثيرها المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية. هل يجب على إسرائيل أن تعمل بطريقة أوثق مع روسيا لتقليل التأثر الإيراني؟ (وهل تمتلك موسكو السلطة للوفاء بذلك). هل يجب على أميركا أن تستخدم قوتها العسكرية في شرق سورية لضبط القوات الإيرانية؟
وهناك موضوع جديد آخر مثير للجدل أيضاً، والذي يناقشه بهدوء بعض المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين. إذا كان من غير الواقع توقع أن تحتل بعض القوات العسكرية الأميركية وحلفاؤها السوريون الأكراد بعض الأراضي السورية التي تقع إلى الشرق من نهر الفرات إلى أجل غير مسمى، فهل يجب على الولايات المتحدة البدء بالعمل تدريجياً في اتجاه استعادة سلطة الحكومة السورية على ذلك الجزء من البلد؟
"العودة للبلد، وعدم عودة النظام" هي الكيفية التي بدا بعض المسؤولين في وصف هذه المقاربة. وهناك تحذير مهم: إن هذه الاستراتيجية لا تعني عودة السلطة للرئيس بشار الأسد الذي لن ينسى ملايين السوريين مجازرهم. وقد تجسد دور الأسد الضار فعلاً في مذابح الأسابيع الأخيرة في الغوطة الشرقية.
وفي الأثناء، يقدر خبراء في واشنطن وموسكو وتل أبيب ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق في نهاية المطاف بين حليف أميركا الرئيسي في سورية، القوات الخاضعة للسيطرة الكردية "قوات سورية الديمقراطية" وجيش سوري خضع لعملية إصلاح، والدولة. وقد يكون هذا التحالف بين الأكراد والحكومة حصناً أفضل ضد النفوذ الإيراني من وجود احتلال أميركي غير مستدام؛ ومن يمكن أيضاً أن يكون العمود الفقري لسورية أفضل.
من أجل ضبط النفوذ الإيراني في سورية، تمس حاجة الولايات المتحدة إلى استراتيجية متماسكة تتواءم قطعها معاً. ولدى الولايات المتحدة وسائل نفوذ، لكنها تبدو غير متأكدة من كيفية استخدامها، وهو ما يغري الخصوم، مثل روسيا وتركيا وإيران. ويقول نورمان راولي، الرئيس السابق للعمليات الإيرانية في وكالة الاستخبارات الأميركية ومكتب مدير الأمن القومي، الذي أصبح مؤخراً مستشارا لمجموعة موحدون ضد إيران نووية: "أكثر الخيارات كلفة في الشرق الأوسط هو عدم فعل شيء. ويفرض ذلك ببساطة كلفاً أعلى على صناع السياسة في المستقبل".
وفي الأثناء، تقوم إيران في سورية بتكرار استخدام القوة المنضبطة والأيديولوجية التي كانت قد طورتها في لبنان والعراق واليمن. ويقول راولي إن إيران تزدهر على ثلاثة عوامل لعرض القوة: الفوضى السياسية الداخلية؛ وأقلية شيعية محاصرة؛ وخط أنابيب لوجستي إلى طهران. ويقول راولي إن هذه العناصر الثلاثة موجودة في سورية.
كحالة للدراسة حول الكيفية التي تبني من خلالها إيران هذه القوة بالوكالة، هناك ميليشيا تدعى "المقاومة الوطنية الأيديولوجية في سورية"، التي غالباً ما يطلق عليها اسم "حزب الله السوري". وهي حركة صغيرة نسبياً ومرنة وحوافزها قوية، وفق المحلل السوري أيمن جواد التميمي، وقد قاتلت في دمشق وتدمر وحلب وأسست فصائل تابعة لها في شمال شرق وجنوب غرب سورية.
يذكرني معرض الرماية السوري وتصارع قوى الوكالة الأجنبية هناك دائماً بشكل مشؤوم بلبنان قبل حربي 1982 و2006. وعلى أميركيا وروسيا والقوى الإقليمية رسم طريق إلى الاستقرار هناك، أو إن هذه الكارثة سوف تصبح أسوأ فحسب.

*كاتب أميركي بارز، يكتب لصحف ومواقع عالمية عدة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Syria Desperately needs a pathway to stability

التعليق