جميل النمري

عين على المرأة السعودية

تم نشره في الاثنين 12 آذار / مارس 2018. 01:09 صباحاً

كتبت عن المرأة السعودية في يوم المرأة العالمي ولم ينشر المقال لوصوله متأخرا، فأصر على إعادة الكتابة لأنه لا يوجد هذا العام من يستحق الاحتفال معه وبه قدر النساء السعوديات اللواتي حصلن مؤخرا على بعض الحقوق مع الموجة الانفتاحية التي أطلقها ولي العهد السعودي وأطاحت بقيود كبلت المرأة وحشرتها في قعر مظلم.
كانت السعودية حالة فريدة خارج العصر لجهة الانغلاق والتزمت وفرض التزامات إكراهية لا مثيل لها جعلت الحياة في هذا الجزء من العالم أكثر بؤسا وجفافا من جفاف الصحراء وبؤس الطبيعة. ثم مع وجود النفط والثراء سار المجتمع الى حالة من التناقض بين توفر القدرة على الإنفاق والقيود على الحريات الشخصية ووسائل الرفاهية، فكان الاستهلاك السلعي يتضخم بصورة مفرطة بينما الإنتاج والاستهلاك الروحي ينعدم بسبب القيود على الثقافة والفنون والإبداع والترفيه وأسس ذلك لحالة معقدة للشخصية الاجتماعية للإنسان السعودي ولازدواجية ونفاق تسيد الثقافة والسلوك. وكان حظ المرأة مضاعفا من هذه السلبيات. وكانت الفتاوى التبريرية لكل تحريم تعكس مفهوما مشوها ومزيفا عن المرأة يفترضها من رأسها لأخمص قدميها موضوعا جنسيا صرفا ويحط من قدرها وقدراتها وذكائها وشخصيتها وآدميتها وهو ما لا وجود له في أي مرجع ديني وتاريخي أصيل، ولعل المدرسة الوهابية كانت الأسوأ بلا منازع في التعامل مع المرأة. والآن سيكون للمرأة حظ مضاعف من الإيجابيات بالانفتاح المندفع بتسارع مذهل، وليس صدفة أن أول خطوة انفتاحية كانت تخص المرأة بإلغاء الحظر على قيادتها السيارات.
يمكن لمن شاء أن يأخذ الموقف الذي يشاء من ولي العهد السعودي وأدائه وسياساته، لكن شيئا واحدا يجب الإقرار به، وهو أنه يقود المجتمع والدولة بجرأة باهرة الى انفتاح لم يكن أحد ليتخيله وهو يظهر قدرة على لجم القوى المحافظة، وفي المقدمة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد سمعت أن الناس لم يعودوا يرون رجالها في الشوارع. ولا أعتقد أن سعودية أو سعوديا واحدا سيفتقد المطاوعية بخيزراناتهم ينخزون سيدة لإصلاح حجابها أو رجلا لإغلاق محله أو سوقه للصلاة.
هل هناك تسرع وتهور في هذا الانفتاح؟! الادعاء أن ذلك سيصدم المجتمع السعودي المحافظ غير صحيح، فكل خطوة انفتاحية هي فقط تصويب لوضع مشوه سقيم ممقوت من الناس. والسعوديون لن يصدمهم قيادة النساء السيارات، فكل عائلة كانت تحتاج إلى ذلك، ولن يصدمهم عرض أفلام في صالات السينما ولا حضور حفلات مطربين، فهم يرتادونها في الخارج ويشاهدونها على الانترنت. والمرأة لا تحتاج إلى وصاية ولا محرم معها في كل خطوة، فهي حالما تحط قدمها خارج البلاد لا تقل قدرة واستقلالية عن النساء في أكثر البلدان تقدما. إن كل منع وتحريم في السعودية كان هو الشذوذ والاستثناء عن القاعدة الطبيعية التي فطر عليها البشر أو ارتقوا اليها في كل مكان. وسيذهلنا بعد سنوات حين ننظر للوراء كيف أمكن بقاء منظومة التحريم والإكراه كل هذا الوقت.
لعل التحولات في السعودية ما كانت ستبدأ لولا صعود قيادات شابة الى الحكم هي مع جيل كامل من السعوديين لم تعد تقبل أو تحتمل هذا التخلف والتناقض المرعب مع العصر. ولا أصدق أن امرأة سعودية واحدة بقيت تؤمن بصحة الوضع الذي انحشرت فيه خلافا للنساء في كل مكان قريب أو بعيد. تحية للمرأة السعودية على هذا الإنجاز وتحية خاصّة للمناضلات السعوديات من أجل حقوق النساء اللواتي تحدين الترهيب والقمع طوال عقود.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »خطوة في الطريق الصحيح (Dr. Basem USA)

    الاثنين 12 آذار / مارس 2018.
    ابدعت يا من اسمك على مسماك. ارجوا ان تحذو دول اخرى حذوى السعودية وتنفض غبار وتراكمات عادات بالية لا علاقة لها بالدين وتحكيم المنطق في سلوكيات الحياة.