عن الفرق بين "الحوار" و"الحكي"

تم نشره في الاثنين 12 آذار / مارس 2018. 01:03 صباحاً

 أسارع للتنبيه إلى أن العنوان لا يعني استهانة بالحكي لصالح الحوار، فنحن من الشعوب "الحكاءة".
لقد جلعنا للحكي أصنافاً وأوصافاً ودرجات ومراتب؛ فهو قد يكون "ذَهَباً" أو "مثل عَدّ الليرات" أو "فَتّ المصاري"، ثم أجرى بعضهم تحديثا أو تغريبا لهذين الوصفين معتمدا العملة الأشهر عالمياً، فقال عن الصنف الممتاز من الحكي بأنه "دولار"! وقبل ذلك، اختصر الأردنيون تلك العلاقة المالية بقولهم: "حكي مدفوع رِدّه"، أي أن صاحبه يتحمل تكلفته والمسؤولية عنه.
ولكن الحكي قد ينحدر فيصبح "طَشِي كلام" أو "مْطاقعة كلام"، ويوصف الحكي بلا هدف بأنه "طق حنك" أو "طق حكي"، وقد يزعم حكّاء انه جاد في حكيه، لكن مستمعيه يكتشفون بسرعة أنه مجرد "لقّاق" أو "برّيم حكي".. وهكذا.
غير أن هذه الأوصاف والأصناف تتعلق بالحكي الأهلي، على مستوى الأفراد والجماعات، أي ما يمكن تسميته لغايات الاستمرار بهذا المقال: "حكي القطاع الخاص". أما القطاع العام، أي الحكومة، فمهمتها في الأصل تقتضي أن لا تحكي أيا من هذه الأنواع، إلا كنا بصدد حكي يمارسه الحكوميون أو الرسميون باعتبارهم من الأهالي، وحينها لا يعد كلامهم هذا قطاعاً عاماً.
لقد سمّت الحكومات كلامها "نطقاً رسميا"، وقد توسع هذا النطق كثيراً، بعد أن صار لكل وزارة أو مؤسسة كبيرة ناطقاً رسمياً خاصاً، وهو ما يعني انه جرت عملية توزيع أوسع للنطق الرسمي، وانتهت حالة الناطق الرسمي الوحيد، الذي لم نكن نعرفه شخصياً، ولا نعرف اسمه، بل جرت العادة أن ينوب عنه مذيع تلفزيون أو راديو، ينقل إلينا "نطقه"، وهو الأمر الذي كان يترافق مع صمت وتشنيف آذان، ونداءات على مستوى الأسرة بالتزام الهدوء، بغية متابعة هذا الحكي الرسمي الذي يختلف حُكماً عن حكينا.
هذا عن الحكي، أما الحوار فهو ممارسة أخرى، وإن كانت مادته الخام هي الحكي أيضاً، وأداته اللسان، هذا العضو الساحر الذي عادة ما يكون آخر ما يهرم في الجسد.
الحوار ليس مجرد حكي. وهذا يصح حتى بين الأفراد، فانت قد تمضي ليلة مع عشرة أصدقاء تمارس فيها ما تشاء من الحكي بأصنافه وأوصافه المشار إلى بعضها أعلاه، ولكنك لا تسمي ذلك "حوارا"، لأنك تعلم أن الحوار يستدعي المسؤولية وتحمل الكلفة، وقبل ذلك الردود وتقديم الإجابات، وللعلم فإن أحد معاني مفردة حوار في اللغة الفصحى هو "المُجاوبة"!.
الحكومة أجرت حوارات، وقد تجري المزيد، ولكنها في الواقع "تحكي" وتسمع حكياً، تسميه تعبيرا عن الرأي، وتمارس ذلك باحتراف وعلى طريقة "احترام الحكي والحكي الآخر".
هذا جيد وممتع وربما مُسلّ للمشاركين والمتفرجين، ومن قبيل التفاعل قدمت الحكومة مؤخراً حكياً غير رسمي، شكلاً ومضموناً، فقد حضر الرئيس ووزراؤه بملابس "سْبور".
والحكومة بهذا "اللوك" تقول مسبقاً إن حكيها هنا لا علاقة له بالنطق الرسمي الوقور المسؤول، فالقرارات صدرت، ونحن مستعدون لسماع الحكي الآخر.
مَن يدري؟ فقد نكون أمام انتقال كبير من "طق الحكي" إلى "طق الحوار".

التعليق