جهاد المنسي

في العبدلي مزارع يصرخ

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2018. 01:04 صباحاً

منذ أكثر من شهر تقريبا والمزارعون متوقفون أمام مجلس النواب احتجاجا منهم على فرض ضرائب على قطاعهم، ومن يطالع الشعارات التي يحملها ابناء هذا القطاع يستشعر خوفهم على مصدر رزقهم الوحيد، وشعورهم بان قطاعهم مستهدف، ويمكن ملاحظة بان الناشطين في هذا القطاع يعرفون تماما اين مكمن الاستهداف، ومن يريد ان يبقيهم في ادنى سلم الاهتمام!.
قراءة سريعة لما كتب من شعارات تعرفك بأن ناشطي القطاع متيقنون بأن مشكلتهم مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وهم على قناعة بان البنك والصندوق معا يرفضان ازدهار القطاع وتطويره، ولذا يواصلان الضغط لفرض ضرائب تعجيزية عليه ومنعه من اي اعفاءات ممكنة، وهم ايضا يؤكدون لو حاورتهم بأن القطاع في طريقه للتلاشي، وان الزراعة في البلاد امام خطر حقيقي ان لم يتنبه المعنيون للامر، ويعملون على رفع سوية القطاع.
حقيقة الامر، لو تتبعنا السنوات الطويلة الاخيرة فإننا سنشعر بان الاهتمام بالزراعة يأتي في ادنى سلم اهتمامات الحكومة، ولو راجعنا الخطط الحكومية، فاننا لن نعثر على خطط انعاشية مستدامة وطويلة الاجل للقطاع، وانما سنعثر على افكار وقائية ترقيعية فقط هدفها ابقاء القطاع في غرفة الانعاش قدر المستطاع، والتأني في اعلان وفاته.
لقد اهملت الحكومات المتعاقبة منذ سنوات طويلة قطاع الزراعي، وساهمت بتراجعه، حتى باتت زراعتنا بيد وافدين من جنسيات مختلفة، وباتت الاسواق تضيق علينا واحدا تلو الاخر، بسبب عدم وجود اهتمام جاد وحقيقي يترجم على ارض الواقع لفتح اسواق تصديرية ومواجهة توقف اسواق معينة، كما ان فكرة توسيع رقعة المساحات المزرعة لم يكن في وارد الحكومات، وتراجع الحديث عن توسيعها حتى تلاشى مع الايام، ولذا شاهدنا مرات عديدة قضما للمناطق الزراعية، وتصحرا دون ان يكون عند الحكومات وسائل لمنعها او حصرها او وقفها على اقل تقدير.
ان لم تقتنع الحكومة ان قطاع الزراعة يعاني من مشاكل جمة تصديرية وتصنيعية وتسويقية وارتفاع مدخلات انتاج وخلافه، فانها لن تعمل على ايجاد حلول، وان لم يقتنع دائنو الاردن (الصندوق الدولي) بان هناك صغار مزارعين يعتاشون عبر التسويق الزراعي والزراعات البسيطة، فان الحلول ستكون بعيدة ولن تأتي اطلاقا.
القصة ليست في اعتصام فئة من فئات المجتمع امام مجلس النواب، فهذا امر طبيعي، فحق التعبير مكفول ونص عليه الدستور، ولكن المشكلة يمكن ملاحظتها بأن هذا الاعتصام له اكثر من شهر دون ان تصل الحكومة مع المزارعين لحلول منطقية تلبي من خلالها جزءا من مطالبهم.
وقبل ان يخرج عليّ من يقول ان شركات تسويق زراعي كبرى تقف خلف الاعتصام والمعتصمين، ويسمعني اولئك الكثير من كلمات التشكيك بنية هذا الطرف او ذاك، وان هدف البعض من ادامة الاعتصام هو الضغط على الحكومة لاعفاء القطاع من ضرائب معينة، وغيرها من كلمات تشكيكية اعتدنا على سماعها، فان اولئك عليهم ان يلتفتوا فقط للقطاع الزراعي والتوقف امام حقيقة معاناته دون تحيز او تشويش، وقتها ستعرف الحكومة بان القطاع يعاني، ومعاناته ظاهرة للعيان دون الحاجة لتدخل شركات كبرى لركوب الموجة.
الاصل ان تحاور الحكومة هذا القطاع وتستمع له، فمن يريد ان ينهض اقتصاديا واجتماعيا عليه ان يحفز قطاع الزراعة ويمنعه من الانهيار، فالامة التي تأكل مما تزرع امة منتجة  لديها القدرة على التواصل مع كل متطلبات العصر، ولديها الامكانية للوقوف بوجه اعتى العواصف الاقتصادية.
لذا فإن الاصل ان ترعى الحكومة قطاع الزراعة، وتبعده ما امكن عن كل ما من شانه اعاقة نموه وتطوره، ودفعه للامام من خلال حوافز وتشجيع، وليس وضع العصي في دواليب هذا التطور واعاقته، وعليها ايضا الجلوس مع القطاع واقامة خلوة حقيقية وليست وهمية عنوانها النهوض بالقطاع ونقله من غرفة الانعاش الى مرحلة التعافي والتطور.

التعليق