في رحاب "البلقاء التطبيقية"

تم نشره في الأربعاء 14 آذار / مارس 2018. 01:00 صباحاً

د. جودت أحمد المساعيد

كانت الظروف الصعبة التي أحاطت بعملي في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس الفلسطينية في فترة الأربع سنوات الممتدة من العام 1999 وحتى العام 2003، هي المسؤولة عن اتخاذ القرار النهائي بالاستقالة من تلك الجامعة والعودة إلى الأردن، رغم الاتفاق المبدئي مع رئيس اتحاد الجامعات العربية في العاصمة الأردنية عمان آنذاك معالي د. مروان كمال، قبل توجهي إلى الضفة الغربية، بضرورة استكمال إجراءات تطوير كلية العلوم التربوية في برامجها الأكاديمية على مستويات البكالوريوس والماجستير، مع إمكانية إنشاء برنامج للدكتوراة في التربية بالتعاون مع كلٍ من جامعة القدس/ أبو ديس في ضواحي مدينة القدس، وجامعة بير زيت، القريبة من مدينة رام الله.
وفي تلك الفترة بالذات، عملت ممارسات جيش الاحتلال الصهيوني خلال انتفاضة الأقصى المباركة، على تحويل حياة عامة الناس الفلسطينيين إلى جحيم لا يُطاق، نتيجة أفعال القتل والتشريد والاعتقال والحصار وتقطيع أوصال البلاد عن بعضها، وذلك في ظل سيطرة الأحكام العُرفية، واجتياح الجنود الصهاينة المزودين بكافة أنواع الأسلحة من طائرات ودبابات ومدرعات وناقلات جُندٍ، وغيرها، للمدن والبلدات والقرى والتجمعات السكانية المختلفة، كي يعيثون فيها فساداً دون رادعٍ من أحد. وكان يُضاف إلى ذلك ظرف آخر أشد قسوةً يخصني أنا شخصياً ويخص عشرات الآلاف ممن يعملون في الضفة الغربية وقتها ويحملون جوازات السفر الأردنية، باعتبارهم  من بين الأشخاص غير المرغوب في بقائهم حسب قوانين الطوارئ الصهيونية، لأنهم يقيمون بطريقةٍ غير شرعية حسب رأيهم، بعد إلغاء إقاماتهم المؤقتة، وعليهم الخروج منها فوراً، وإلا فإنهم سيتعرضون للمساءلة، وربما  للملاحقة والاعتقال.
وما إن انتهيتُ من مناقشة جميع رسائل الماجستير التي كنتُ أُشرفُ عليها في جامعة النجاح الوطنية، حتى قدمتُ استقالتي منها، عائداً إلى الأردن في أواخر صيف العام 2003. ونظراً  لأن الفصل الدراسي الجامعي كان على الأبواب، فقد اكتفت الجامعات الأردنية الحكومية والخاصة من تعيين ما تحتاجه من أعضاء هيئة التدريس، مما جعلني أفكر جدياً باستغلال الوقت الطويل المتاح أمامي، من أجل تأليف المزيد من الكتب التربوية التخصصية الجامعية. وما إن بدأتُ فعلا بهذا النشاط، حتى اتصل بي أحد الأصدقاء يبلغني بأن كلية الأميرة عالية التربوية المخصصة للإناث والواقعة في حي الشميساني بمدينة عمان، والتابعة رسمياً لجامعة البلقاء التطبيقية، بحاجةٍ ماسةٍ إلى محاضرٍ غير متفرغٍ، من أجل تدريس مادتين من مواد برنامج الماجستير في تخصص الموهبة والإبداع، الأولى كانت تحت عنوان: تنمية مهارات التفكير، والثانية بعنوان: الكشف عن الموهوبين وإرشادهم. 
وقد اتجهتُ فوراً إلى تلك الكلية وقابلت عميدتها آنذاك د. صفاء الكيلاني، حيث قدمتُ لها السيرة الذاتية الخاصة بي، ووعدتني بعرض الأمر على مجلس الكلية بالسرعة الممكنة وإبلاغي بالنتيجة. وبالفعل اتصلت بي هاتفياً  كي تطلب مني البدء بالتدريس الفعلي لطلبة الماجستير في بداية الأسبوع التالي، كي أجد مجموعة من الطلبة لا تتجاوز العشرين من الجنسين، مما يجعل العدد مناسباً للعديد من الأنشطة التعليمية التعلمية والتعليمية الفاعلة.
وكان كتابي الجديد الذي ظهر لأول مرة في العام ذاته (2003) يحمل عنوان: (تدريس مهارات التفكير مع مئات الأمثلة التطبيقية)، يغطي أكبر جزء من مفردات المادة الأولى المقررة على الطلبة وهي مادة (تنمية مهارات التفكير)، حيث تمّ فيه توضيح المعايير العالمية للتفكير، والمُسَلمَات الخاصة به، ومستوياته، وعناصر نجاح عملية التفكير ومعوقاتها، وأهمية مهارات التفكير، وتصنيفاتها، والبرامج الخاصة بتعليم التفكير وخاصة برنامج كورت وبرنامج القبعات الست.
واهتم الكتاب كذلك بالتفكير الناقد من حيث مفهومه، وخصائصه، وعناصره، واستراتيجياته المختلفة وخاصة استراتيجية مكفرلاند McFarland، واستراتيجية سميثSmith ، واستراتيجية أورايلي O’Riley، واستراتيجية باير Beyer، وذلك من حيث تعريف كل واحدةٍ منها، وخطواتها، وإجراءات تدريسها، وربطها بالمنهج المدرسي، مع طرح عشرات الأمثلة عن هذه المهارة أو تلك في ميادين اللغة العربية، والتربية الإسلامية، والعلوم، والرياضيات، والدراسات الاجتماعية، والتربية الرياضية، والتربية الفنية، والتربية المهنية.
وتناول الكتاب أيضاً مهارة الاستقراء والتفكير الاستقرائي، ومهارات التمييز الأربع وهي التمييز بين الحقيقة والرأي، والتمييز بين المعلومات الصحيحة وغير الصحيحة، والتمييز بين الافتراضات والتعميمات، والتمييز بين المعلومات ذات الصلة والمعلومات غير ذات الصلة، مع طرح الكثير من الأمثلة التطبيقية التربوية والحياتية، إضافة إلى توضيح مهارات المقارنة والتباين، وتحديد السبب والنتيجة، والتعرف إلى وجهات النظر،  وتحديد مواطن التحيز والنمطية الجامدة،  والتحقق من التناسق أو عدمه في الحجج والبراهين، وتحليل المجادلات.
وركز الكتاب أيضاً على الإبداع من حيث تعريفاته، ومقوماته، وصفات المبدع، ومراحل عملية الإبداع، وماهية التفكير الإبداعي، واتجاهاته، والعقبات التي تواجه المبدعين، وتدريس المهارات الأربع المهمة للتفكير الإبداعي وهي : الطلاقة، والمرونة، والأصالة، والتوضيح، وذلك من حيث تعريف كل مهارة، وأهميتها، ومجالات تطبيقها، وخطواتها، وإجراءات تدريسها وأنواعها، وربطها بالمنهج المدرسي، وطرح الأمثلة التربوية والحياتية العديدة عنها. كما تم أيضاً الاهتمام بعد ذلك بمهارات التفكير الخاصة بجمع المعلومات وتنظيمها وهي: التذكر، والوصول إلى المعلومات، وشد الانتباه، والملاحظة، والإصغاء، وتدوين الملاحظات، وطرح الأسئلة، والوصف، والتصنيف، وتنمية المفاهيم، وعرض المعلومات بيانيا.
وتناول الكتاب في نهاية المطاف مهارات حل المشكلات من حيث: طرح الفرضيات واختبارها، وتقييم الأدلة، وعمل الخيارات الشخصية، وتحمل المسؤولية، وإصدار الأحكام، والتعميم، والتنبؤ، ووضع المعايير، وتطبيق الإجراءات، والتفكير بانتظام، وإدارة الوقت،  مع توضيحها جميعاً من حيث التعريف، والأهمية، وإجراءات التدريس، والربط بالمنهج المدرسي، وطرح الأمثلة التربوية والحياتية المتنوعة.
أما المادة الثانية التي قمتُ بتدريسها لطلبة ماجستير الموهبة في جامعة البلقاء التطبيقية، فكانت تحت عنوان (الكشف عن الموهوبين وإرشادهم). وقد تم التركيز فيها على تعريفات الموهبة والموهوب، وتحديد خصائص الموهوبين العقلية والجسمية والنفسية والاجتماعية، والتطرق إلى مفهوم الإرشاد والتوجيه، ومناهج الإرشاد وأهدافه، ثم لمحة موجزة عن آلية الكشف المبدئي عن الموهوبين والمتفوقين، كي يساعد ذلك كلاً من ولي الأمر والمعلم في الكشف الأولي، ودور فريق العمل عند التفاعل مع الموهوبين، حيث يتم التركيز على دور كل من الأسرة والمدرسة، والحديث بعدها عن مشكلة مهمة من مشكلات الطلبة الموهوبين وهي صعوبات التعلم عند هذه الفئة المتميزة، والنشاط الزائد عند بعضهم، وتدني مفهوم الذات، وضعف الدافعية عند بعضهم الآخر، ثم الانتقال إلى مجالات الإرشاد المقدمة لهم، ولا سيما الإرشاد الفردي والإرشاد الجمعي والإرشاد الوقائي والإرشاد الأسري، مع إعطاء اهتمام خاص للضغوطات التي يعاني منها الموهوبون،  ودور المرشد في التعامل مع تلك الضغوط، ثم التطرق إلى بناء  البرامج الإرشادية وتطبيقها بالنسبة لفئة الموهوبين، مع توضيح أبرز البرامج التي يمكن استخدامها مع هؤلاء الطلبة.
وبالنسبة إلى موضوع الكشف عن الموهوبين بالذات، فقد كان يتم التركيز أيضاً على ضرورة استخدام مقاييس وأدواتٍ مختلفة يتمثل أهمها في مقاييس القدرة العقلية وعلى رأسها مقياس ستانفورد – بينيه، Stanford Bennet ومقياس وكسلر  Wechsler، ثم مقاييس التحصيل الأكاديمي المتمثلة في الاختبارات المقالية والموضوعية وبنسبة مئوية لا تقل عن 90 %، ومقاييس القدرة الإبداعية مثل مقياس تورانس Torrance للتفكير الإبداعي، ومقاييس السمات الشخصية، والتي تعتمد بالدرجة الأساس على أحكام المعلمين وأولياء الأمور، والأقران من الطلبة الآخرين، وعلى آرائهم ووجهات نظرهم المتنوعة.
وبالإضافة إلى ذلك، فلا بد من اللجوء في هذه المادة إلى  برامج الإثراء أو الإغناء Enrichment Programs مع هذا النوع من الطلبة، والتي تعني العمل على تزويد الطلبة الموهوبين بخبراتٍ وأنشطةٍ متنوعةٍ وعميقة أكثر تعقيداً مما يتم إعطاؤه للطالب العادي، وذلك بهدف إثراء حصيلة الطالب الموهوب بطريقة منظمة وهادفة ومخططٍ بشكلٍ دقيقٍ لها، وذلك بتوجيهٍ من  المعلم وادارة المركز، والتي قد تكون على نمطين: الإثراء الأفقي Horizontal Enrichment، ويعني إضافة وحداتٍ دراسيةٍ وخبراتٍ جديدةٍ لوحدات المنهج الأصلي في عدد من المقررات أو المواد الدراسية، بحيث يتم تزويد الموهوبين بخبراتٍ تعليميةٍ غنيةٍ في موضوعات متنوعة، أي توسيع دائرة معرفة الطالب بمواد أخرى لها علاقة بموضوعات المنهاج، ثم الإثراء العمودي أو الرأسي Vertical Enrichment ، ويعني تعميق محتوى وحداتٍ دراسيةٍ معينة في مادةٍ دراسية، بحيث يتم تزويد الموهوبين بخبراتٍ غنية في موضوع واحد فقط من الموضوعات، أي زيادة المعرفة بالمادة المتصلة جوهرياً بالمنهج المدرسي. 
واستمر تدريسي لهاتين المادتين لبرنامج ماجستير الموهبة والإبداع لمدة فصلين دراسيين للعديد من الطلبة من الجنسيات الأردنية والسعودية والكويتية والسورية. كما تعرفت خلال تلك الفترة أيضاً على مجموعةٍ طيبة من الزملاء والزميلات أعضاء هيئة التدريس في التخصصات التربوية والمعرفية المختلفة، ما أدى إلى إثراء خبراتي التعليمية التعلمية من جهة، وزيادة رصيدي المعرفي والاجتماعي من جهةٍ ثانية، مثلما يتم في العادة كلما ينتقل الأستاذ الجامعي إلى بيئة تعليمية جامعيةٍ جديدة، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

التعليق